جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لم تعد دول آسيا الوسطى تنظر إلى مجموعة البريكس باعتبارها مجرد إطار اقتصادي للتعاون بين القوى الناشئة، بل بدأت تتعامل معها كمنصة يمكن أن تمنحها فرصاً جديدة لتعزيز حضورها الدولي، وتنويع علاقاتها الاقتصادية، والابتعاد عن الاعتماد على مسار واحد في السياسة الخارجية. وقد جاءت الخطوات الأخيرة لكل من كازاخستان وأوزبكستان لتكشف عن اهتمام متزايد من جانب جمهوريات المنطقة باستكشاف ما يمكن أن توفره المجموعة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الاقتصادي العالمي.
فبعد نحو عقدين على تأسيس مجموعة البريكس، التي بدأت عام 2006 وضمت في البداية البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، توسعت لتشمل دولاً جديدة من بينها الإمارات العربية المتحدة وإيران ومصر وإثيوبيا وإندونيسيا، وأصبحت تمثل أحد أبرز التجمعات الاقتصادية والسياسية التي تسعى إلى تعزيز دور الدول غير الغربية في إدارة الاقتصاد العالمي.
وكانت أوزبكستان من أوائل دول آسيا الوسطى التي اتخذت خطوة عملية باتجاه المجموعة، بعد انضمامها إلى بنك التنمية الجديد التابع للبريكس ومقره شنغهاي، وهو ما اعتُبر بداية مسار تعاون اقتصادي مباشر بين المنطقة والبريكس. كما برز اسم كازاخستان باعتبارها إحدى الدول التي تبحث عن توسيع حضورها داخل المنظومة الجديدة.
لماذا تأخرت آسيا الوسطى في الاقتراب من البريكس؟
رغم الجاذبية المتزايدة التي تتمتع بها مجموعة البريكس، فإن دول آسيا الوسطى لم تسارع إلى الانضمام إليها منذ تأسيسها، إذ كانت لكل دولة حساباتها الخاصة المرتبطة بمصالحها الاقتصادية والسياسية وعلاقاتها الدولية. فكازاخستان وأوزبكستان، باعتبارهما أكبر اقتصادين في آسيا الوسطى، وجدتا في البريكس فرصة لتعزيز التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات وتوسيع الشراكات الدولية. أما الدول الأخرى في المنطقة فقد اتخذت مواقف أكثر تحفظاً.
فطاجيكستان، على سبيل المثال، لم تبدِ اهتماماً واضحاً بالانضمام إلى تكتلات اقتصادية جديدة، معتبرة أن أولوياتها مختلفة. أما تركمانستان، التي تتبع تقليدياً سياسة الحياد، فقد حافظت على مسافة أكبر من التحالفات الاقتصادية والسياسية الدولية. في حين أن قيرغيزستان واجهت حسابات مختلفة مرتبطة بعلاقاتها التجارية مع روسيا وبالضغوط المحتملة الناتجة عن طبيعة بعض صادراتها. غير أن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة، وخاصة تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، دفعت دول آسيا الوسطى إلى إعادة تقييم خياراتها الاقتصادية والاستراتيجية.
البريكس.. نادٍ اقتصادي أم مشروع قوة عالمية؟
رغم توسع مجموعة البريكس وارتفاع عدد الدول الراغبة في الانضمام إليها، فإن طبيعة المجموعة ما زالت مختلفة عن المنظمات التقليدية. فهي لا تمتلك مقراً رسمياً أو هيكلاً إدارياً مركزياً أو ميثاقاً ملزماً، بل تعتمد على آلية مرنة للتنسيق بين الدول الأعضاء. وقد وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هذه المرونة بأنها إحدى نقاط قوة المجموعة، مشيراً إلى أن غياب البيروقراطية يمنح البريكس قدرة أكبر على التكيف مع المتغيرات الدولية.
لكن هذا الطابع غير الرسمي لا يمنع المجموعة من تطوير مؤسسات تخدم مصالحها، وعلى رأسها بنك التنمية الجديد الذي أصبح إحدى الأدوات الرئيسية لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية في الدول الأعضاء والشركاء. ويرى بعض الخبراء أن البريكس تتجاوز كونها إطاراً اقتصادياً، إذ تحمل بعداً سياسياً يتمثل في محاولة تعزيز ظهور نظام عالمي أكثر تعددية، في مواجهة الهيمنة الغربية التقليدية على المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية.
وفي هذا السياق، تختلف رؤى موسكو وبكين حول مستقبل المجموعة. فروسيا تدفع باتجاه عالم متعدد الأقطاب تكون فيه مراكز القوة موزعة بين عدة دول، بينما ترى الصين نفسها لاعباً رئيسياً في نظام عالمي أكثر توازناً مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن العلاقة بين موسكو وبكين داخل البريكس تقوم على الشراكة وليس بالضرورة على تحالف كامل، بسبب اختلاف الحسابات الاستراتيجية بين الطرفين.
مكاسب كازاخستان وأوزبكستان من الانضمام إلى البريكس
بالنسبة لكازاخستان وأوزبكستان، فإن الانفتاح على البريكس يوفر مجموعة من المكاسب الاقتصادية والسياسية. فعلى المستوى السياسي، يمنح الانضمام فرصة لتعزيز المكانة الدولية للدولتين، والمشاركة في نقاشات تتعلق بقضايا التنمية، ومكافحة الفقر، والتعليم، وسوق العمل، والتعاون العلمي.
أما اقتصادياً، فإن البريكس تفتح المجال أمام جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، وتنويع القطاعات الاقتصادية، والاستفادة من خبرات الدول الأعضاء في مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة لدول آسيا الوسطى التي تعاني من تحدي كونها دولاً غير ساحلية، إذ تبحث باستمرار عن تطوير شبكات نقل وممرات تجارية تربطها بالأسواق العالمية.
و مكن أن توفر البريكس فرصاً جديدة لتعزيز دور كازاخستان وأوزبكستان كمراكز عبور بين الصين وروسيا وأوروبا والشرق الأوسط، خصوصاً مع تزايد أهمية طرق التجارة البديلة في الاقتصاد العالمي.
بنك التنمية الجديد.. بوابة التمويل الجديدة
يمثل بنك التنمية الجديد أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تستفيد منها دول آسيا الوسطى من خلال تعاونها مع البريكس. فأوزبكستان، على سبيل المثال، تتطلع إلى الاستفادة من التمويلات المتاحة لدعم مشاريع استراتيجية، من بينها مشاريع الطاقة والبنية التحتية، بما يشمل خططاً لبناء أول محطة طاقة نووية في البلاد.
كما يمكن لكازاخستان، التي تدرس بدورها تطوير مشاريع في مجال الطاقة النووية، أن تستفيد من قدرات البنك التمويلية والخبرات المتوفرة لدى الدول الأعضاء. ولا تقتصر الاستفادة المحتملة على كازاخستان وأوزبكستان فقط، إذ قد تجد دول أخرى في المنطقة، مثل قيرغيزستان، فرصاً للحصول على تمويلات تساعدها في معالجة تحدياتها الاقتصادية والمالية.
نظام دفع بديل ومحاولة تقليص هيمنة الدولار
من الملفات التي تحظى باهتمام كبير داخل البريكس مسألة تطوير آليات دفع مالية تقلل الاعتماد على النظام المالي الغربي، وخاصة نظام “سويفت”. لذا ، تبحث المجموعة إمكانية تطوير نظام دفع يعرف باسم “بريكس باي”، يسمح بإجراء معاملات بالعملات الوطنية بين الدول الأعضاء، وهو توجه ينسجم مع رغبة بعض الدول في تقليل تأثير العقوبات الغربية وتعزيز استقلالية أنظمتها المالية.
وقد بدأت بعض الدول بالفعل في زيادة استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، ومنها اليوان الصيني والتينغ الكازاخستاني والسوم الأوزبكي. لكن إنشاء عملة موحدة للبريكس لا يزال بعيداً عن الواقع، نظراً للاختلافات الكبيرة بين اقتصادات الدول الأعضاء، وتباين سياساتها النقدية والمالية. كما أن الدولار لا يزال يحتفظ بمكانة عالمية واسعة يصعب استبدالها في المدى القريب.
هل تستطيع البريكس منافسة النظام الاقتصادي العالمي؟
رغم الطموحات الكبيرة التي تحيط بالبريكس، فإن المجموعة تواجه تحديات حقيقية. فالتوسع الكبير في عدد الأعضاء قد يمنحها وزناً أكبر، لكنه قد يجعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيداً بسبب اختلاف مصالح الدول المشاركة. كما أن الفارق الاقتصادي والسياسي بين أعضائها كبير، فالصين والهند تختلفان في بعض الملفات الاستراتيجية، بينما تواجه روسيا تحديات اقتصادية بسبب العقوبات الغربية، في حين تمتلك الدول الأخرى أولويات مختلفة تتعلق بالتنمية والاستثمار.
لذلك، فإن قدرة البريكس على التحول إلى بديل كامل للنظام الاقتصادي الغربي تبقى موضع نقاش، لكنها في الوقت نفسه تمثل مؤشراً واضحاً على تغير طبيعة العلاقات الدولية وصعود قوى جديدة تسعى إلى إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي العالمي.
مستقبل آسيا الوسطى داخل البريكس
تبدو كازاخستان وأوزبكستان أكثر استعداداً للاستفادة من الفرص التي توفرها البريكس، دون التخلي عن علاقاتهما التقليدية مع روسيا والصين والغرب. فالدولتان تدركان أن المرحلة الحالية تقوم على تنويع الشراكات وليس الانحياز الكامل إلى محور واحد. ومن المرجح أن تستمر آسيا الوسطى في مراقبة تطور البريكس قبل اتخاذ خطوات إضافية، خصوصاً مع استمرار النقاش حول مستقبل المجموعة ودورها العالمي.
وفي النهاية، فإن البريكس قد لا تتحول سريعاً إلى قوة موحدة تقود النظام الدولي، لكنها أصبحت منصة مهمة للدول التي تبحث عن مساحة أكبر للمناورة الاقتصادية والسياسية. وبالنسبة لدول آسيا الوسطى، فإن الانفتاح على هذه المجموعة يمثل محاولة لإعادة تعريف موقعها في خريطة الاقتصاد العالمي الجديدة، والاستفادة من التحولات الجارية في طرق التجارة والطاقة والاستثمار.


