الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

آن للأمّة العربية تجديد ذاتها بثقافة الإنفتاح والنهضة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د.محمد مراد: باحث في التاريخ السياسي والشؤون الدولية..

منذ ما يقرب من القرن، طرح داعية العروبة والإسلام الأمير شكيب إرسلان، سؤالاً كبيرا على الأمّة العربية ” لماذا تقدّم الغرب وتخلّف المسلمون ؟ “. هو سؤال يختصر التحديّات الحضارية التي واجهت، وما تزال، مسلمي الإنتشار في بلاد العرب والإقليم القريب والبعيد.

جاء سؤال شكيب إرسلان بعد توقفه عند النتائج التي انتهت إليها تجارب الحركات الإصلاحية العربية – الإسلامية بدءا بالمنحى التحديثي الذي اعتمده محمد علي في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، مرورا بسلسلة من الحركات الإصلاحية – الدينية الإسلامية السنوسية والمهدوية، وطروحات جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد فريد، إضافة إلى طروحات نهضوية قومية من نخب أدبية وفكرية لبنانية مهاجرة الى مصر امثال البساتنة، واليازجيان، فرح انطون، شبلي الشميّل وغبره، كل هذه الدعوات ظلّت صيحة في فضاء لم يلامس الواقع العربي – الإسلامي في الإنخراط في مشروع حداثوي نهضوي ينقل العرب والمسلمين من واقع الاستسلام للماضوية الجامدة إلى رحاب الإنفتاح على الحداثة وترجماتها في الواقع العربي والإسلامي في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والسلطة والدولة بكل مؤسساتها الوظيفية والوطنية والدستورية والسيادية، ودورها في تعزيز ” ثقافة العامّ ” التي من شأنها ترسيخ مفهوم المواطنة والهويّة الوطنية الواحدة والجامعة
إنّ مشكلة التعثر في استنهاض مجتمعاتنا العربية والإسلامية
تكمن في غياب المصالحة المطلوبة بين ثقافتين: ثقافة الإستبداد التاريخية العربية، وثقافة الاستعداد للإنفتاح والتفاعل الإيجابي مع الحداثة والتحديث بكل مفرداته وديمومة سيرورته وحركة تجدده لذاته.

أمّا ثقافة الإستبداد التي مازالت حاكمة لثقافتنا العربية فهي عميقة وراسخة في بنية مغلّفة بأطواق من الطبقات الصخرية الصلبة الصعبة الاختراق. في اعتقادي، هناك عوامل عديدة ما زالت حاكمة ومتحكّمة في ثقافة الإستبداد العربية، أشير إلى ثلاثة منها هي الأشدّ تحكّما:
الأول، المخزون الديني الإرثي الذي اسر العقل العربي وأبقاه مستسلما لأحكام مقدّسة موحى بها من الخارج غير المنظور، تركت هذه الثقافة التواكلية الخاضعة لمشيئة الغيب القدسي أثرها البالغ على تقييد العقل العربي، وأفقدت عنده حسّ الحماسة للإنفتاح على الجديد المتطور.

الثاني، الإستبداد السلطوي، وهو ثقافة إستمرت مستدامة في تاريخنا العربي قبل وبعد ظهور الإسلام في مطلع القرن السابع الميلادي، فالهيئة الحاكمة في كل مراحل تاريخنا تنظر إلى السلطة بوصفها حقا مقدّسا يمنحها الثبات فيها، مانعة على غيرها المشاركة والمداولة السلمية لحكم الدولة، هذه ظاهرة لازمت نظم الحكم في التاريخ العربي- الإسلامي على مدى مراحله المختلفة من الأموي إلى العباسي، المملوكي، العثماني، ونظم الحكم الي نشات في ظل السيطرة الأجنبية الأوروبية وما بعدها ( معظم النظم العربية كانت ملكية، والنظم الجمهورية كانت بالاسم وشكلية فقط).

الثالث، النظام النبوي- الخليفي، وظهر موازيا معه النظام الأبوي في القبيلة والعشيرة والعائلة والسلطة الحاكمة وغيرها، هذا النظام لم يكن شكلا أو تمظهرا في الخارج، وإنما هو حالة ثقافية وفكرية وسياسية وسلوكية في مناحي مختلفة من الحياة العربية، هو ثقافة مانعة للمشاركة والحرية والاعتراف بالآخر.
العوامل المشار اليها، مع أخرى عديدة غيرها، هي التي حالت، حتى الآن، دون قيام الدولة الحديثة، دولة المواطنة، والكفاءة، والمشاركة الديمقراطية، والحرية، والاعتراف بالآخر ، والانفتاح على الحداثوي والنهضوي والجديد والتجدد المستمر..

https://hura7.com/?p=80370

الأكثر قراءة