جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تحركت الجهود الدبلوماسية في العاصمة الأمريكية واشنطن لتصيغ فصلاً جديداً من فصول التفاوض المباشر بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي برعاية أمريكية رفيعة المستوى، سعياً للوصول إلى ترتيبات أمنية وسياسية تنهي حالة النزاع المستمر. وتأتي هذه التحركات المستجدة لترسم ملامح مرحلة مفصلية تتشابك فيها الضغوط الميدانية بالشروط السيادية الصعبة، وسط سعي أمريكي واضح لربط الملفات الأمنية بالمسارات الاقتصادية والسياسية الإقليمية ضمن حزمة تفاوضية واحدة، تهدف إلى إحداث تغيير جذري في معادلات المنطقة وتثبيت واقع سياسي جديد يقوم على حصرية قرار الدول وشرعيتها.
تتحرك المقاربة الأمريكية الحالية بناءً على استراتيجية استخدام الحوافز الاقتصادية كأداة أساسية لدفع مؤسسات الدولة اللبنانية نحو تبني التزامات أمنية صارمة؛ حيث تلوح واشنطن بفتح الباب أمام تدفق المساعدات الدولية والاستثمارات الخارجية المخصصة لإعادة الإعمار والتعافي المالي، مدعومة بوعود تؤكد وجود شركاء إقليميين ودوليين على استعداد لتمويل هذه المرحلة فور التوصل إلى اتفاق أمني مستدام. وفي البُعد السياسي، تنظر الإدارة الأمريكية إلى هذه المفاوضات المباشرة كمسار سياسي طويل الأمد يسعى إلى عزل الملف اللبناني عن التجاذبات والمساومات الإقليمية، وتثبيت حصرية القرار الرسمي للدولة اللبنانية عبر جلوس وفدها الحكومي مباشرة على طاولة المفاوضات. أما في الجانب الأمني، فإن العقيدة الدبلوماسية الأمريكية تعتمد مبدأ التفاوض تحت ضغط الميدان، من خلال ربط الهدن المؤقتة بمدى التقدم المحرز في المحادثات، واشتراط الوصول إلى اتفاق شامل بتمكين القوى الشرعية اللبنانية من حصر السلاح وبسط سيادتها الكاملة وتفكيك القواعد العسكرية غير النظامية.
وفي تفاصيل الأوراق الاقتصادية المطروحة على طاولة المحادثات، ترتكز الرؤية الأمريكية على صياغة حزمة من المبادرات المالية والإنشائية المشروطة بتقدم المسار الأمني؛ حيث تشمل هذه الأوراق طرح مشروع لتأسيس صندوق دولي مانح مخصص لتمويل إعادة إعمار البنى التحتية والمرافق الحيوية المتضررة في مساحات واسعة من البلاد، إلى جانب تقديم تسهيلات ائتمانية وقروض ميسرة عبر المؤسسات المالية الدولية لدعم الاستقرار النقدي ومواجهة الانهيار المالي. كما تتضمن الطروحات تقديم حوافز استثمارية للشركات العالمية الكبرى وتشجيعها على الدخول في قطاعات الطاقة والغاز في المناطق البحرية والبرية اللبنانية فور إقرار بيئة أمنية مستقرة، وتفعيل مشاريع حيوية إقليمية للربط التجاري وشبكات النقل والطاقة تهدف في مداها البعيد إلى دمج الاقتصاد المحلي في شبكة المصالح الإقليمية المشتركة، مع ربط استمرار المساعدات العسكرية واللوجستية المباشرة للمؤسسات الأمنية الرسمية بمدى جاهزيتها لتنفيذ بنود الاتفاق وحماية تلك الاستثمارات.
وفي المقابل، توازن الدولة اللبنانية في هذه المحادثات بين ثوابتها الوطنية وحفظ استقرارها الداخلي؛ إذ تطالب بيروت بالوقف الفوري والشامل للعمليات العسكرية كمدخل إلزامي لأي اتفاق، مع التمسك بالانسحاب الكامل للعدو الإسرائيلي من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة وتثبيت الحدود البرية رسمياً. وتتضمن الاستراتيجية اللبنانية نشر الجيش اللبناني بشكل موسع في مناطق الجنوب كقوة وحيدة مسؤولة عن الأمن، وتأمين العودة الفورية للمواطنين النازحين إلى قراهم، بالتوازي مع إنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار غير مشروط بإملاءات تنتقص من السيادة الوطنية. وفي كواليس الغرف المغلقة، يسعى الوفد اللبناني إلى فرض السرية التامة على المداولات لتفادي الانعكاسات السياسية الداخلية، ويطرح معادلة بديلة تقوم على أن انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي الشامل وتثبيت الحدود بضمانات دولية هو الممر الطبيعي لإنهاء الذرائع وحصر القدرات الدفاعية والتسليحية بيد المؤسسات الشرعية، مع رفض بيروت القاطع لأي شروط تعجيزية قد تؤدي إلى صدام داخلي، والتمسك بأن الهدف هو تحقيق اتفاق أمن وسيادة يضمن الاستقرار دون الانزلاق نحو مسارات التطبيع السياسي.
تشير المعطيات السياسية الحالية والمسارات المتشابكة للمحادثات إلى أن التوقعات المستقبليّة تتأرجح بين اتجاهين أساسيين؛ فمن جهة، قد يؤدي إصرار الإدارة الأمريكية والعدو الإسرائيلي على فرض تسلسل زمني يبدأ بحظر السلاح غير الشرعي كشرط مسبق لأي انسحاب أو دعم مالي، إلى طريق مسدود يهدد بانهيار المسار الدبلوماسي وعودة التصعيد الميداني بشكل أكثر حدة، خاصة في ظل الرفض القاطع من الأطراف الداخلية للتنازلات الفورية تحت النيران. ومن جهة أخرى، فإن حاجة الإدارة الأمريكية لتحقيق إنجاز سياسي خارجي سريع، ورغبة الأطراف الإقليمية في تجنب حرب واسعة وغير منضبطة، قد تدفع نحو صياغة تسوية تقنية مرنة تعتمد على مبدأ التدرج في التنفيذ؛ بحيث يتم إعلان وقف دائم للعمليات العسكرية وبدء انسحاب قوات الاحتلال، مقابل جدول زمني طويل الأمد ترعاه الدولة اللبنانية محلياً لتطبيق آليات حصر السلاح عبر المؤسسات الدستورية، مما يتيح تدفق المساعدات الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية تدريجياً ويضمن الحفاظ على التوازن الداخلي والاستقرار الإقليمي.


