الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

أحمد حمزة ـ “تصريحات البيت الأبيض”… وهل حينما يخرج العيب عن ترامب يكون عيباً؟

الحرة بيروت ـ بقلم: أحمد حمزة، طالب في كلية الألسن قسم اللغة الألمانية

نصح ميكافللي في كتابه “الأمير” مديشي حاكم فلورنسا “بأن يكون ما لا يقول، وأن يقول ما لا يكون”، وبأن يتصرف كالثعلب “يخفي نواياه الحقيقية ولا يُظهرها علناً”. ويزيده بأن يستخدم سلاح القوة كالوحوش، حينما لا تجدي القوانين، ويلجأ لسلاح القوانين كالبشر إذا كانت ناجعة؛ لأن القوة المفرطة تُهلك. ويظهر تطبيق نصائحه تلك في السياسة بشكل واضح عندما لا نرى الحقيقة سوى زائر عابر، يمرّ بين الكلمات المصقولة والوعود البراقة، لكنه نادراً ما يستقر.

ومن بين أولئك الذين عملوا بنصائح ميكافللي، وأتقنوا فن “أن تكون ما لا تقول، وتقول ما لا تكون”، يبرز دونالد ترامب كظاهرة سياسية استثنائية. رجلٌ يتحدث كأنه منقذ، يضحك كأنه طفل، يتصرف كأنه معتوه، يعد كأنه نبي، ويسخر كأنه مهرّج، لكنه يحكم كأنه تاجر بارع في تصريف بضاعته. في خطابه، هو صوت الشعب، وفي سياساته، هو سيد الصفقات؛ بين يديه تتحول الحقائق إلى شعارات، والأزمات إلى عروض إعلامية، والوعود إلى أوراق قابلة للتفاوض. فكيف يصنع من هذا التناقض مجداً، ويجعل من الصخب فناً ومن السياسة مسرحاً؟

في الفترة الرئاسية الأولى

توعّد ترامب تركيا في فترته الرئاسية الأولى بفرض قيود وعقوبات اقتصادية بسبب الهجمات العسكرية التي شنتها تركيا ضد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، متوجهاً إلى الرئيس التركي “أردوغان” في إحدى تغريداته على منصة “إكس”: “لا تكن متصلباً، لا تكن أحمقاً”.

وهدد أيضاً بتشديد الخناق على تركيا، واتهمها باستغلال الولايات المتحدة لسنوات عديدة نتيجة لعدم الإفراج عن القس الجاسوس “أندرو برانسون” الذي رفض القضاء التركي الإفراج عنه. وكان جادّاً في تصريحاته تلك، ما انعكس سلباً على الاقتصاد التركي، فتراجع سعر الليرة أمام الدولار الأميركي التي لا تزال حتى اليوم متأثرة بموجة بيع في الأسواق العالمية. كما سجلت تركيا نسبة تضخم مرتفعة إلى جانب أزمة نقدية في أغسطس/آب 2018. هذا بالإضافة إلى انخفاض الناتج الصناعي التركي بنسبة 6.5% على أساس سنوي في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه وفقاً لمعهد الإحصاء التركي.

كوريا الشمالية

هدّد أيضاً ترامب كوريا الشمالية “بالنار والغضب” في حال استمرت في تهديد الولايات المتحدة على خلفية تطوير ترسانتها النووية. وأضاف حينها: “سيكون من الأفضل لكوريا الشمالية ألا تطلق مزيداً من التهديدات ضد الولايات المتحدة”، مؤكداً “أنهم سيواجهون بالنار والغضب بشكل لم يعرفه العالم من قبل”. ثم بعد ذلك التقى بزعيم كوريا الشمالية “كيم جونغ أون” في زيارة تاريخية  لأول رئيس أميركي لكوريا الشمالية، بعد دعوته عبر منصة “إكس” قائلاً: “سأغادر اليابان متوجّهاً إلى كوريا الجنوبية (مع الرئيس مون). أثناء وجودي هناك، إذا رأى زعيم كوريا الشمالية كيم هذه الرسالة، يمكنني أن أقابله على الحدود/المنطقة المنزوعة السلاح لمجرد مصافحة يده والقول مرحباً”!

فنجد تهديدات ترامب لكوريا الشمالية لم تتجاوز كونها مجرد تصريحات! وحدث نفس الأمر مع حركة طالبان حينما صرح بتعزيز قواته في أفغانستان. خلال خطاب رسمي ألقاه من قاعدة فورت ماير قرب واشنطن قال: “حدسي كان الانسحاب، وفي العادة أنا أتبع حدسي. لكن بعد درس للوضع الأفغاني من الزوايا كافة سيؤدي الانسحاب إلى “فراغ” يستفيد منه الإرهابيون؛ لذا سنعزز من قواتنا في المنطقة”. وبعدها وقّع على اتفاق في قطر بين الولايات المتحدة وطالبان. بموجب هذا الاتفاق يتم فرض قيود قتالية على كل من الولايات المتحدة وطالبان، في مقابل التزامات طالبان بمكافحة الإرهاب، ونص أيضاً على انسحاب جميع القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي من أفغانستان بحلول 1 أيار/مايو 2021. وهذا ما تم بالفعل خلال ولاية بايدن.

ونرى في موقف ترامب مع كوريا الشمالية وطالبان تنفيذاً لعكس ما صرّح به، فهو “قال ما لم يفعل، وفعل ما لم يقل”.

عودته إلى البيت الأبيض مجدداً

بعد يوم من أدائه اليمين، وفي حديثه إلى الصحافيين في البيت الأبيض، كرر تهديده بفرض رسوم جمركية بنسبة 10%على واردات الصين إلى الولايات المتحدة متهماً بكين بإرسال “الفنتانيل إلى المكسيك وكندا” قبل أن يجد هذا المخدر طريقه إلى الولايات المتحدة. كما اتهمها  بإغراق الأسواق العالمية بصادرات منخفضة السعر بشكل مصطنع، ما يشكل تهديداً للمنافسة العادلة واستقرار السوق. ونفّذ تهديده هذا يوم الاثنين، الموافق 10 فبراير/شباط حيث فرض رسوماً جمركية بنسبة 10% على جميع الواردات الصينية إلى الولايات المتحدة دون استثناءات أو إعفاءات.

وفي الوقت ذاته نجده مشجعاً وداعماً للاستثمار الياباني في صناعة أشباه الموصلات، مستنكراً من تايوان تحديداً شركة “تي إس إم سي” احتكارها صناعة الرقائق الإلكترونية ما أدى إلى القضاء على صناعة الرقائق الأميركية. وكان صريحاً بشأن إمكانية الدفاع عن تايوان حينما  قال في مقابلة حصرية نشرتها “بلومبرج بيزنس ويك”، إن تايوان يجب أن تدفع للولايات المتحدة مقابل دفاعها.

وأضاف وفقاً للنص الذي نشرته وسائل الإعلام: “يجب على تايوان أن تدفع لنا تكاليف الدفاع… تايوان لا تعطينا أي شيء”. وأشار أيضاً إلى أن الولايات المتحدة ستواجه صعوبة في الدفاع عن الجزيرة بسبب بُعدها، قائلاً: “تايوان تبعد 9500 ميلاً عنا، في حين أن بعدها هو 68 ميلاً فقط عن الصين”. وأن الأخيرة لديها ما يكفي من الصواريخ لتدمير الجزيرة المنشقة إذا ما اختارت غزوها، لكنها – أي الصين – لا تريد تدمير المصانع التايوانية المنتجة لأكثر من 90% من الرقائق المتقدمة، ولا تريد أن تقتل مئات الآلاف من التايوانيين الذين تعتبرهم مواطنين صينيين. كما كان الرجل واقعياً في قوله أنه في حال تأزم الموقف بين تايبيه وبكين فإن باستطاعة الأخيرة أن تنتصر عن طريق محاصرة تايوان وقطع إمدادات النفط والغاز عنها وإبلاغ ناقلات النفط والغاز المتجهة إليها بمخاطر إغراقها في البحر، خصوصاً وأن تايوان تتمتع بقدرات تخزينية لا تكفيها إلا لمدة ثلاثة أسابيع فقط.

أما بخصوص كندا والمكسيك، فبعد أن هدد بزيادة التعريفات الجمركية على كل من واردات الدولتين، أعلن تعليق الرسوم الجمركية الإضافية تلك التي فرضها على كندا لمدة 30 يوماً، عقب اتخاذه قراراً مماثلاً بشأن المكسيك. مضيفاً في منشور على منصة “تروث سوشيال” “إن قرار التعليق جاء عقب اتصال هاتفي أجراه مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو”. وكان قبلها قد نشر على نفس المنصة تصريحاً يقول فيه إنه “أجرى محادثة ودية جداً مع الرئيسة كلاوديا شينباوم، حيث وافقت على الفور على نشر 10000 جندي مكسيكي على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، لوقف تدفق مخدر الفنتانيل والمهاجرين غير الشرعيين إلى أميركا”، وأوضح أنه خلال فترة التعليق التي تستمر شهراً ستجرى مفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق مع المكسيك.

ولم يسلم الاتحاد الأوربي أيضاً من “إسهال” تصريحات ترامب بشأن التعريفات الجمركية، حيث أشار خلال حوار أُجري في 21 يناير/كانون الثاني الماضي إلى ضرورة تصحيح الخلل في الميزان التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، قائلاً: “إنهم يعاملوننا بشكل سيئ جداً. لذا فإن الرسوم الجمركية ستشملهم. لا يمكنك أن تحصل على الإنصاف إلا إذا قمت بذلك”. وقبلها بيوم، كان ترامب قد اتهم التكتل بعدم استيراد ما يكفي من المنتجات الأميركية، قائلاً إنه سيقوم بـ”تصحيح ذلك” من خلال فرض الرسوم أو حض الأوروبيين على شراء المزيد من النفط والغاز.

الختام المسك، غزة العزة أو “ريفيرا الشرق” على رأيه!

توعد ترامب حركة حماس، والمقاومة والشرق الأوسط ككل بالجحيم، إذ لم يتم الإفراج عن الأسرى لدى حماس قبل موعد دخوله البيت الأبيض وتسلمه السلطة رسمياً كرئيس للولايات المتحدة الموافق 20 كانون الثاني/يناير. وفي 15 من الشهر نفسه تم الاتفاق على وقف إطلاق النار بين المقاومة وإسرائيل.

وتوقفت كثيراً عند لفظة “الجحيم” تلك! أهناك أكثر مما حدث في القطاع من دمار وخراب لكافة مظاهرالحياة فيه، استمر لأكثر من 15 شهراً؟ لم يتبقَ سوى استخدام النووي!

وظهر دوره واضحاً في الضغط على نتنياهو للجلوس على مائدة المفاوضات وأخذها بجدية. ولكن للمفارقة لم يحدث هذا الجحيم المنتظر سوى في جنوب كاليفورنيا؛ بفعل الرياح والجفاف حين اندلعت سلسلة من حرائق الغابات _ اللهم لا شماتة _ أثرت بشكل كارثي على مناطق حضرية كثيرة ومنتجعات سياحية عملاقة منذ السابع من كانون الثاني/يناير وحتى آخره.

وبعدما تم بالفعل وقف إطلاق النار، وبدء تبادل الأسرى بين كل من المقاومة وإسرائيل، صرح ترامب بتصريح وُصف بالصادم مفاده أن “الولايات المتحدة ستتولى السيطرة على قطاع غزة، وستفكك جميع القنابل غير المنفجرة الخطيرة والأسلحة الأخرى في الموقع، وأنه سيقوم بإعادة إعمار غزة، وتحويلها إلى ريفيرا الشرق بعد هجرة سكانها”.

وبعد الضجة والصخب اللذين أحدثهما هذا التصريح، لم أره صادماً أو غريباً. بالعكس؛ فالولايات المتحدة بشكل عام قامت على أنقاض شعب تم تطهيره وإبادته بشكل كامل! وترامب ما هو إلا رئيساً لها. وكما يُقال في المثل الشعبي (العيب لو طلع من أهل العيب ما يبقاش عيب). لكن، وعلى الرغم من سذاجة هذا التصريح، فقد أحدث الكثير من ردود الفعل من جانب الأنظمة العربية والعالمية بشكل عام، خصوصاً دول الكتلة الشرقية، وبعض دول الاتحاد الأوروبي.

موقف الدول العربية

اختلفت مواقف الدول العربية تجاه تصريح ترامب بالاستيلاء على غزة من حيث الطريقة لكنها اتفقت على الرفض.

فالأردن أدانت بشدة التصريح ورفضته شكلاً ومضموناً، على الرغم من موقف العائل الأردني الملك عبدالله الثاني أمام دونالد ترامب خلال زيارته في البيت الأبيض.

وعن مصر، فقد صرح الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الكيني وليام روتو في القاهرة أن “تهجير وترحيل الشعب الفلسطيني من مكانه ظلم لا يمكن أن نشارك فيه”.

أما السعودية فقد أكدت على رفض مبدأ التهجير، وكان ذلك خلال اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان. وشددت على “أن الحل هو إقامة دولة فلسطينية بحقوق تاريخية على حدود الرابع من يونيو لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية”. ودعت السعودية إلى عقد قمة خماسية في الرياض بمشاركة كل من مصر والإمارات وقطر والأردن لمناقشة مصير الشعب الفلسطيني. ومن المقرر إنعقادها في 20 من الشهر الجاري.

تهديدات ترامب من جديد

لوّح ترامب بكارت المساعدات المقدمة من الولايات المتحدة لمصر والأردن إن رفضتا قرار التهجير، وهذا التهديد بشكل أو بآخر لن يخرج عن مجرد تصريح لا غير. فبالنظر لقرار تنفيذ قطع المساعدات عن الأردن بداية، سيترتب عليه احتمالية فقد الولايات المتحدة لعدة قواعد عسكرية في الأردن تمثل قوة إستراتيجية لها، ما يعدّ خسارة لترامب لو قبل بتنفيذه.

أما في مصر فالنتائج أَمَرّ: خسارة الولايات المتحدة لحليف تقليدي كمصر منذ عقود، كلفها ما يزيد عن 50 مليار دولار منذ السبعينات وحتى الآن، ليس بالأمر الهيّن، وسيدفع مصر إلى أن تولي وجهها صوب المشرق، حيث الصين وروسيا.

وبخصوص الوضع في السعودية فهو مختلف عن وضع مصر والأردن؛ فنحن نتحدث عن استثمارات سعودية في أميركا بأرقام أعجز عن إحصاء عدد أصفارها!

وللإنصاف، فإن خسارة الدول العربية المتمثلة في مصر والأردن للولايات المتحدة ليست بالأمر اليسير أيضاً؛ فالأوضاع الاقتصادية في البلدين مضطربة والعلاقة بين الأطراف الأربعة عموماً علاقة برجماتية لأقصى درجة، سيخرج منها الجميع خاسر إن توترت الأوضاع أكثر.

وآخر كارت أمام الأنظمة العربية لمواجهة تصريحات ترامب هو فتح المجال العام للشعوب – بشكل حقيقي لا هزلي – كي ترد بدورها على تلك التصريحات؛

وبصفتي مواطن مصري عربي – منذ مدة – أتوقع أن ينحصر رد فعل الشعوب العربية على تلك التصريحات بواحد من ردين لا ثالث لهما، إما بصيحات إعتراض حلقية، أو أصوات خيشومية متصلة!

ذكرتني تصريحات ترامب عن تهجير أهل فلسطين واستيلاء الولايات المتحدة على غزة بمشهد من مسلسل “الزوجة الثانية” بين عمرو عبد الجليل وعمرو واكد، حينما طلب الأول من الثاني القرب بالزواج من زوجته! وكان ينتظر منه الموافقة. فالموقف بالنسبة للشعوب العربية مماثل تماماً؛ الأرض عرض كما الزوجة وغيرها.

https://hura7.com/?p=44961

 

الأكثر قراءة