جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
سلّطت المشاركة الرفيعة غير المسبوقة على المنصة الرئيسية وعلى هامش منتدى الطاقة السنوي الأبرز في أذربيجان الضوء على تزايد عدد الشركات والجهات الحكومية الساعية إلى تعزيز حضورها في منطقة بحر قزوين الكبرى. وقد جمع أسبوع باكو للطاقة، الذي عُقد في الفترة من 2 إلى 3 يونيو، قادة الطاقة الإقليميين والعالميين، إضافة إلى المستثمرين الصناعيين، في مناقشات استراتيجية تُوّجت بتوقيع 20 اتفاقية جديدة بقيمة 7.5 مليار دولار.
وافتتح الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف المنتدى بالتأكيد على الأهمية المتنامية لبلاده في أسواق الطاقة العالمية وفي تطوير الطاقة المتجددة. وبالتزامن مع المنتدى الدولي، وصل وفد أمريكي للمشاركة في أول حوار اقتصادي أمريكي–أذربيجاني، ما عكس اتساع الدور الأذربيجاني في معادلات الربط الإقليمي والتعاون مع الأسواق الغربية.
حضور أسبوع الطاقة وكلمة علييف الافتتاحية
كما في السنوات السابقة، استقطب أسبوع باكو للطاقة مجموعة من الشركات العالمية الكبرى إلى العاصمة الأذربيجانية، وفي مقدمتها إكسون، وبي بي، وشيفرون، وتوتال إنيرجيز، وشل. وقد عززت هذه الشركات بالفعل حضورها عبر شراكات مع شركة النفط الحكومية الأذربيجانية (سوكار) وشركة بوتاش التركية.
قدّم خطاب الرئيس علييف رؤية تؤكد أن أذربيجان تتجه نحو مسار مزدوج يجمع بين توسيع إنتاج الهيدروكربونات وتطوير الطاقات المتجددة. وشدد على أن هذا التوجه لا يقتصر على تلبية الطلب المحلي، بل يمتد ليشمل التصدير، في وقت أعادت فيه التحولات الجيوسياسية، من الحرب الروسية–الأوكرانية إلى التوترات في أسواق الطاقة، رسم خرائط الإمداد العالمية.
وفي هذا السياق، يتعزز دور أذربيجان كمصدر مهم للغاز والنفط إلى أوروبا، وهو ما تعكسه صفقات توسع لشركة “سوكار” في السوق الأوروبية، بما في ذلك استحواذها على أصول تكرير في إيطاليا. كما تعمل باكو على ترسيخ موقعها في معادلة “الربط بين الشرق والغرب” عبر تطوير بنيتها التحتية للطاقة والشبكات الإقليمية.
الحوار الاقتصادي بين أذربيجان والولايات المتحدة
عُقد أول حوار اقتصادي بين أذربيجان والولايات المتحدة على هامش أسبوع الطاقة، بتنظيم مشترك بين وزارتي الاقتصاد والخارجية في البلدين. وركزت المحادثات على الاستثمار في الطاقة، والربط الإقليمي، وتطوير البنية التحتية.
وجاء هذا الحوار في إطار ميثاق الشراكة الاستراتيجية الذي تم توقيعه خلال زيارة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى باكو في فبراير/شباط الماضي. وأكد الطرفان أهمية تطوير الممر الأوسط وتعزيز البنية اللوجستية والرقمية، بما في ذلك مشاريع النقل والاتصالات والذكاء الاصطناعي، باعتبارها عناصر أساسية لرفع كفاءة سلاسل التوريد. كما أشار الجانب الأمريكي إلى اهتمام متزايد من شركات كبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون بالاستثمار في قطاع الطاقة الأذربيجاني، مع توقيع اتفاقيات استكشاف جديدة خلال المنتدى.
اتفاقيات الغاز وتوسيع النفوذ الإقليمي
على هامش أسبوع باكو للطاقة، وقّعت “سوكار” وشركاؤها، بينهم “توتال إنيرجيي” و”إكس آر جي” التابعة لأدنوك و”بوتاش”، اتفاقية طويلة الأجل لشراء الغاز من حقل أبشيرون، تمتد لـ15 عامًا، وتنص على توريد 33 مليار متر مكعب من الغاز إلى تركيا عبر خط باكو–تبليسي–أرضروم.
تعزز هذه الاتفاقية دور”الممر الجنوبي للغاز” في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، وتؤكد في الوقت نفسه ثقة المستثمرين باستقرار أذربيجان كمصدر طويل الأمد للطاقة.
توسع الشراكات داخل بحر قزوين
شهدت الفعاليات توقيع سلسلة من الاتفاقيات بين “سوكار” وشركات أمريكية وأوروبية كبرى، شملت إكسون موبيل، وشيفرون، وشل، وبي بي، وتركزت على تطوير حقول النفط والغاز، بما في ذلك الموارد غير التقليدية ومشاريع الضغط في حقول شاه دنيز. وتشمل الخطط المستقبلية زيادة إنتاج الغاز بشكل كبير بحلول نهاية العقد الحالي، إضافة إلى توسيع الاستثمارات في الاستكشاف والتقنيات الحديثة، مع استمرار دخول شركات دولية جديدة إلى حوض بحر قزوين.
انتقال رمزي في إدارة البنية التحتية
يمثل انتقال تشغيل خط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان من “بي بي” إلى “سوكار” تحولًا رمزيًا مهمًا في تطور قطاع الطاقة الأذربيجاني، إذ يعكس انتقال البلاد من مرحلة الاعتماد على الشركات الأجنبية إلى مرحلة إدارة ذاتية لشبكات التصدير الاستراتيجية.
تكشف مجمل التطورات في “أسبوع باكو للطاقة” عن تحوّل أذربيجان من دولة منتجة في محيط إقليمي إلى مركز طاقة محوري في معادلات الربط بين آسيا وأوروبا. فمع تزايد الاستثمارات الغربية والأمريكية، وتوسع مشاريع الغاز والبنية التحتية، تعزز باكو موقعها كحلقة وصل استراتيجية في أمن الطاقة العالمي. وفي ظل إعادة تشكيل أسواق الطاقة بفعل الأزمات الجيوسياسية، تبدو أذربيجان اليوم لاعبًا لا يقتصر دوره على الإنتاج، بل يمتد إلى إدارة التدفقات، وتوجيه مسارات الإمداد، والمساهمة في إعادة رسم خريطة الطاقة بين الشرق والغرب.


