جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تعيش تركيا مرحلة سياسية شديدة الحساسية، مع تصاعد المؤشرات على أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستعد لإعادة رسم المشهد الداخلي تمهيدًا لانتخابات رئاسية مبكرة، في ظل تحركات متسارعة داخل صفوف المعارضة وأزمات متفاقمة تهدد وحدة أكبر أحزابها، حزب الشعب الجمهوري.
أردوغان :يعيد تشكيل المعارضة التركية
وفي قلب هذه التطورات، برز اسم رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش، الذي دعا إلى عقد مؤتمر استثنائي للحزب خلال 45 يومًا من أجل حسم مسألة القيادة وتحديد الشخصية التي ستقود المعارضة في المرحلة المقبلة. وتأتي هذه الدعوة في وقت تواجه فيه المعارضة التركية واحدة من أخطر أزماتها الداخلية منذ سنوات، وسط انقسامات متصاعدة وصراع مفتوح على قيادة الحزب.
ولا يُعد يافاش مجرد سياسي معارض عادي، بل يمثل أحد أبرز الوجوه التي تمكنت من إلحاق هزيمة سياسية بأردوغان في الانتخابات المحلية عام 2019، حين فاز برئاسة بلدية أنقرة رغم الدعم الكبير الذي قدمه الرئيس لمرشحه. وفي الانتخابات نفسها، حقق أكرم إمام أوغلو انتصارًا تاريخيًا في إسطنبول، ما دفع كثيرين آنذاك للاعتقاد بأن نهاية حكم أردوغان الطويل قد اقتربت.
لكن المشهد تغيّر بصورة كبيرة خلال السنوات اللاحقة. فإمام أوغلو، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أقوى منافس محتمل لأردوغان، انتهى به المطاف في السجن، بينما اختار يافاش الابتعاد نسبيًا عن المواجهة السياسية المباشرة والتركيز على إدارة العاصمة التركية. واليوم، مع دعوته لعقد مؤتمر الحزب، يبدو أن الرجل يوجّه رسالة واضحة مفادها أن المعارضة دخلت مرحلة طوارئ سياسية حقيقية.
المعارضة التركية أمام أخطر انقسام
لكن بعد سجن إمام أوغلو، فقد الأخير قدرته على قيادة الحزب بشكل مباشر، فدعم حليفه أوزغور أوزيل لقيادة الحزب، وسط توقعات بأن يكون أوزيل مرشح المعارضة في أي انتخابات رئاسية مقبلة.
لكن الأزمة تعقدت أكثر مع عودة الزعيم السابق للحزب كمال كليجدار أوغلو إلى الواجهة، بعدما رفض الاعتراف بشرعية انتخاب أوزيل رئيسًا للحزب، في خطوة اعتبرتها أوساط معارضة محاولة مدعومة من السلطة لإغراق الحزب في صراعات داخلية وإضعافه قبل أي استحقاق انتخابي قادم.
وفي تطور صادم، داهمت الشرطة التركية مقر الحزب في أنقرة من أجل تمكين كليجدار أوغلو من استلام مهامه، بعد مقاومة من أنصار أوزيل. ووصف معارضون يوم 25 مايو/أيار بأنه “يوم أسود للمعارضة التركية”، معتبرين أن ما جرى يمثل تدخلًا مباشرًا في الحياة الحزبية ومحاولة لإعادة تشكيل المعارضة بما يخدم بقاء أردوغان في السلطة.
ويرى كثير من أنصار المعارضة أن الرئيس التركي يسعى إلى إنتاج “خصم مناسب” يمكن هزيمته بسهولة في الانتخابات المقبلة، تمامًا كما حدث في انتخابات عام 2023، عندما واجه أردوغان كليجدار أوغلو، الذي اعتبره كثيرون أضعف مرشح يمكن أن تدفع به المعارضة.
فكليجدار أوغلو، رغم خبرته السياسية الطويلة، واجه صعوبات كبيرة في جذب شرائح واسعة من الناخبين بسبب تقدمه في السن، وضعف حضوره الجماهيري، إضافة إلى الحساسية السياسية المرتبطة بخلفيته الكردية العلوية، وهو ما استغلته الحملات القومية والإسلامية ضده.
ومع ذلك، فإن وصوله إلى الجولة الثانية من الانتخابات آنذاك عكس حجم التراجع في شعبية أردوغان، وأظهر أن الشارع التركي لم يعد موحدًا خلف الرئيس كما كان في السنوات السابقة.
أردوغان والبحث عن معركة مضمونة
تنتهي الولاية الحالية لأردوغان رسميًا في مايو/أيار 2028، ولا يحق له دستوريًا الترشح مجددًا، إلا أن الحياة السياسية التركية شهدت مرارًا الدعوة إلى انتخابات مبكرة، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو يسمح له بخوض سباق رئاسي جديد.
ويعتقد مراقبون أن أردوغان لن يدعو إلى انتخابات مبكرة إلا بعد التأكد من تفكك المعارضة أو غياب منافس قوي قادر على تهديده أو تهديد خليفته المحتمل.
وفي هذا السياق، تتزايد التساؤلات داخل تركيا وخارجها حول الشخصية التي قد يختارها أردوغان لخلافته في المستقبل، خاصة مع الحديث المتزايد في وسائل الإعلام الغربية عن مرحلة “ما بعد أردوغان”.
وتتكرر أسماء عديدة داخل الدائرة المقربة من الرئيس، أبرزها نجله بلال أردوغان، وصهره سلجوق بيرقدار، إضافة إلى هاكان فيدان، الذي يُعد من أكثر الشخصيات نفوذًا داخل الدولة التركية، بعد سنوات قضاها على رأس جهاز الاستخبارات.
هل يتكرر السيناريو المجري في تركيا؟
يرى محللون أن ما يحدث اليوم داخل المعارضة التركية يذكّر بما جرى في دول أخرى شهدت بقاء أنظمة سياسية قوية عبر تفكيك خصومها وإضعافهم من الداخل، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تركيا تتجه نحو سيناريو مشابه لما حدث في المجر، حيث تمكنت السلطة من إعادة تشكيل الحياة السياسية بما يضمن استمرارها لسنوات طويلة.
وفي المقابل، يحذّر سياسيون معارضون من أن استمرار الانقسامات داخل حزب الشعب الجمهوري قد يؤدي إلى تفككه إلى عدة أجنحة متنافسة، ما يمنح أردوغان أفضلية كبيرة في أي انتخابات مقبلة.
وبين الحديث عن انتخابات مبكرة، والانقسامات الداخلية، وصراع الزعامة داخل المعارضة، تبدو تركيا مقبلة على مرحلة سياسية شديدة التعقيد، قد تحدد مستقبل الحكم في البلاد لسنوات طويلة قادمة.


