الأكثر قراءة

أرمينيا وروسيا… الخلافات الاقتصادية تعمّق التباعد السياسي

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تشهد العلاقات بين أرمينيا وروسيا مرحلة غير مسبوقة من التوتر السياسي والاقتصادي، في ظل تصاعد الخلافات بين يريفان وموسكو حول مستقبل العلاقة بين البلدين، وحدود التعاون داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. فبعد عقود من الشراكة الوثيقة، باتت القيادة الأرمينية تتحدث بصورة متزايدة عن ضرورة تنويع خياراتها الاقتصادية والسياسية، بينما تنظر موسكو بقلق إلى توجهات يريفان المتنامية نحو الاتحاد الأوروبي والغرب.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تواجه فيه المنطقة تغيرات جيوسياسية متسارعة، دفعت الحكومة الأرمينية إلى إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية، وسط محاولات لتحقيق توازن بين علاقاتها التقليدية مع روسيا وانفتاحها المتزايد على الشركاء الأوروبيين.

باشينيان: التنويع فرصة وليس أزمة

أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن ما تشهده بلاده من تغير في علاقاتها الاقتصادية لا يمثل أزمة، بل فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر تنوعًا واستقلالية. وأوضح أن الحكومة تشجع القطاع الخاص على توسيع الأسواق الخارجية وعدم الاعتماد على شريك واحد، معتبرًا أن التنويع يسهم في رفع الكفاءة الاقتصادية وتحسين الإنتاجية وزيادة القدرة التنافسية.

ويرى باشينيان أن أرمينيا تحتاج إلى بدائل اقتصادية وسياسية متعددة، في حين يعتبر أن روسيا تفضل الإبقاء على علاقاتها مع يريفان ضمن إطار حصري لا يترك مجالًا لخيارات أخرى، وهو ما يعكس اختلافًا متزايدًا في رؤية الطرفين لمستقبل العلاقة الثنائية.

قيود تجارية متبادلة

وفي المقابل، اتخذت الحكومة الأرمينية قرارًا بحظر استيراد معجون الطماطم لمدة ستة أشهر، بهدف دعم المنتجين المحليين بعد تراجع صادرات الخضراوات والفواكه إلى الأسواق الروسية نتيجة القيود المفروضة على بعض المنتجات الزراعية الأرمينية.

وأشارت الحكومة إلى أن القيود الروسية أدت إلى انخفاض كبير في صادرات الطماطم المزروعة في البيوت المحمية، ما تسبب في زيادة المعروض داخل السوق المحلية وتراجع الطلب على الإنتاج الزراعي المحلي، الأمر الذي انعكس سلبًا على المزارعين وشركات التصدير.

وتعكس هذه الإجراءات حجم التأثير المتبادل بين اقتصادَي البلدين، إذ لا تزال روسيا تمثل الشريك التجاري الأكبر لأرمينيا، فيما تعتمد قطاعات زراعية وصناعية أرمينية بصورة كبيرة على السوق الروسية.

ملف السكك الحديدية

ومن أبرز الملفات الخلافية التي برزت خلال الفترة الأخيرة قضية خط سكك حديد جنوب القوقاز، حيث شدد باشينيان على أن البنية التحتية للسكك الحديدية هي ملك للدولة الأرمينية، وأن من حق الحكومة إعادة النظر في شروط إدارتها واستخدامها.

وأشار رئيس الوزراء إلى أن حكومته تفضل التوصل إلى تسوية ودية مع موسكو، لكنها لا تستبعد اللجوء إلى التحكيم الدولي إذا تعذر الوصول إلى اتفاق، موضحًا أن أرمينيا قد تطالب برسوم أو تعويضات مالية عن إدارة هذا المرفق خلال العقود الماضية. ويرى مراقبون أن إثارة هذا الملف في هذا التوقيت تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ تعكس رغبة يريفان في إعادة تقييم الاتفاقات الموقعة مع روسيا منذ سنوات.

مستقبل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي

في خطوة جديدة حذر فيها باشينيان من أن استمرار القيود التجارية الروسية على الصادرات الأرمينية قد يقوض مستقبل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، معتبرًا أن مثل هذه الإجراءات تتعارض مع المبادئ التي قامت عليها المنظمة، وفي مقدمتها حرية انتقال السلع بين الدول الأعضاء. وجاءت هذه التصريحات بعد اتصالات بين القيادتين الروسية والأرمينية، في وقت تتزايد فيه الخلافات بشأن توجه أرمينيا نحو تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل، تؤكد موسكو أن انضمام أرمينيا مستقبلًا إلى الاتحاد الأوروبي يتعارض مع استمرار عضويتها الكاملة في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، معتبرة أن على يريفان حسم خياراتها الاستراتيجية بصورة واضحة.

الاقتصاد في قلب الخلاف

يرى مسؤولون وخبراء اقتصاديون في أرمينيا أن القيود المفروضة على الصادرات الزراعية تحمل أبعادًا سياسية إلى جانب آثارها الاقتصادية، إذ إن المنتجات الزراعية سريعة التلف تتأثر مباشرة بأي تأخير على المعابر الحدودية، وهو ما ينعكس سريعًا على المنتجين والمصدرين. وفي المقابل، يشير اقتصاديون إلى أن إعادة توجيه الصادرات الأرمينية نحو الأسواق الأوروبية أو غيرها لن يكون أمرًا سهلًا، بسبب اختلاف المعايير الفنية، وارتفاع تكاليف النقل، والحاجة إلى بناء شبكات تسويق جديدة، وهي عملية قد تستغرق سنوات قبل أن تحقق نتائج ملموسة.

خلاف يتجاوز الاقتصاد

لا تقتصر الأزمة الحالية على الملفات التجارية، بل تعكس تحولًا أعمق في السياسة الخارجية الأرمينية. فمنذ عدة سنوات، تعمل يريفان على توسيع علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهو توجه تنظر إليه موسكو باعتباره ابتعادًا تدريجيًا عن الفضاء الروسي التقليدي. وفي المقابل، تؤكد الحكومة الأرمينية أن تنويع العلاقات الخارجية لا يستهدف قطع العلاقات مع روسيا، بل يهدف إلى تعزيز استقلالية القرار الوطني وتقليل الاعتماد على شريك واحد في الملفات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

مستقبل العلاقات

يرى محللون أن العلاقات الروسية الأرمينية تمر بمرحلة إعادة صياغة قد تحدد شكلها لسنوات مقبلة. فبينما تحاول يريفان توسيع هامش حركتها الخارجية، تسعى موسكو إلى الحفاظ على نفوذها في جنوب القوقاز، باعتباره منطقة ذات أهمية استراتيجية للأمن الروسي. ورغم تصاعد حدة التصريحات المتبادلة، لا تزال المصالح الاقتصادية والجغرافية المشتركة تدفع الطرفين إلى تجنب القطيعة الكاملة، خاصة أن البلدين يرتبطان بشبكة واسعة من العلاقات التجارية والاستثمارية والبنى التحتية المشتركة.

ويبقى مستقبل هذه العلاقة مرهونًا بقدرة الطرفين على إيجاد صيغة توازن بين طموحات أرمينيا في تنويع شراكاتها الدولية، ورغبة روسيا في الحفاظ على تماسك الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ونفوذها التقليدي في منطقة جنوب القوقاز، وهي معادلة ستظل أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

https://hura7.com/?p=82389

الأكثر قراءة