جريدة الحرة ـ بيروت
وكالات ـ دزان-المكسيك – محاطًا بغابة كثيفة وتحت ظلال متداخلة لأشجار شاهقة، يشق لويس ماي كو، البالغ من العمر 49 عامًا، طريقه بصعوبة عبر شجيرات تصل إلى ارتفاع الكتف بحثًا عن نبتة نادرة. حرارة الـ40 درجة المئوية الخانقة تضعف الحواس، والهواء المشبع بالرطوبة يلتصق بجلدنا، فتتشكل حبات العرق وتتساقط.
بعد تمشيط الأحراش، يعثر ماي، وهو خزّاف من السكان الأصليين للمايا، على شجيرة تشبه في شكلها وملمسها شجيرات أخرى حوله، لكنه يصر على أن هذه الشجيرة مميزة. يلمس الأوراق الناعمة المترامية الأطراف ويخبرني أنها “تشوج” البرية (ch’oj، “نبتة النيلة” بلغة المايا، وanil بالإسبانية) -أو Indigofera suffruticosa- وهي مكون أساسي لابتكار صبغة “أزرق المايا” المبجلة.
يقول ماي بنظرة تأملية، وهو يرفع قبعته المصنوعة من سعف نخيل “اللوانو” المتشابك ليمسح جبينه بظهر يده: “لقد استغرق الأمر سنوات قبل أن أجدها (النيلة) وكان معظم الناس من يوكاتان يعتقدون أنها انقرضت في شبه الجزيرة”. أقول له بلغتي المايانية المحدودة ونحن نقرفص خلف شجيرة “تشوج” التي يبلغ ارتفاعها مترا ونصف المتر هربًا من الشمس الحارقة التي لا هوادة فيها: “تشوكوج (حار)”. يلتفت إليّ بعينين طيبتين ويقدم لي الماء من زجاجته. يقول: “إن شبه جزيرة يوكاتان تمر بأسوأ موجة جفاف منذ عقود. فلنرتح، وسأخبرك كيف أعدت ابتكار أزرق المايا”.

أزرق المايا: لون الطقوس
يشبه لون الصبغة الأيقونية سماءً زرقاء صافية أو لون الفيروز في البحر الكاريبي القريب. كان يُستخدم في طلاء الفخار والمنحوتات والجداريات والمجوهرات والملابس والمذابح، وبشكل تقشعر له الأبدان، البشر الذين قدمهم المايا القدماء لآلهتهم طلبًا لرضاهم. وفقًا للراهب الفرنسيسكاني الإسباني دييغو دي لاندا كالديرون -الذي اشتهر بحماسته في تدمير مخطوطات المايا- كان المايا يطلون البشر قبل إجبارهم على مذبح وقطع قلوبهم النابضة.
الضحايا الآخرون، الذين أُلقي بهم في “سينوتي تشينكو” أو “البئر المقدس” (السينوتي هي كهوف جيرية مترابطة ومغمورة بالمياه) في تشيتشن إيتزا، كانوا مغطين باللون الأزرق بالمثل. كانت السماء الصافية أثناء الجفاف إشارة للكهنة لاختيار ضحيتهم التالية وطلائها باللون نفسه للتضحية بها لإله المطر “تشاك”، الذي يُعتقد أنه يعيش في “شيبالبا” (العالم السفلي للمايا) تحت “السينوتي”. كان الكهنة يأملون أن يجلب ذلك المطر ليضمنوا حصادًا وفيرًا لمحاصيلهم.
عندما قام عالم الآثار الأميركي إدوارد هربرت تومسون بتجريف البئر المقدسة في أوائل القرن الـ20، تم انتشال 127 هيكلاً عظميًا، من بين أشياء أخرى. كما وجد عدة أمتار من الطمي الأزرق، الذي تشير الدراسات اللاحقة إلى أنه كان “أزرق المايا” الذي تلاشى عن الزخارف وضحايا القرابين. لا يزال من الممكن رؤية اللون الأزرق السماوي الفاتح بين الأنقاض في الموقع الأثري المشهور عالميًا “تشيتشن إيتزا” في يوكاتان على جداريات يزيد عمرها عن 800 عام.
لم تبتكر الحضارات القديمة سوى حفنة من الأصباغ الزرقاء، مثل اللازورد أو الأزرق المصري. ومع ذلك، كانت هذه في الغالب أصباغًا أو معادن، بينما تطلب “أزرق المايا” مزيجًا كيميائيًا من مواد عضوية وغير عضوية. قبل وصول النسخ الاصطناعية من الصبغة الزرقاء خلال الثورة الصناعية، كان اللون نادرًا للغاية وغالبًا ما يكون أغلى من الذهب في أوروبا. نشأ حجر اللازورد شبه الكريم في جبال أفغانستان ولم يكن متاحًا إلا للأثرياء. لكن في العالم الجديد، كانت الصبغة الزرقاء وفيرة ومزدهرة.
عندما وصل الإسبان في القرن الـ15، استغلوا “أزرق المايا”، إلى جانب كل الكنوز التي سرقوها من حضارات أميركا الوسطى. سيطر الإسبان على الملوّن الثمين حتى أواخر القرن الـ17 إلى أوائل القرن الـ18 عندما بدأت البدائل الاصطناعية في الظهور. ثم اختفت المعرفة الشائعة بـ”أزرق المايا” حتى أعيد اكتشافها في القرن الـ20.

أعجوبة تقنية وفنية
في عام 1931، عثر عالم الآثار الأميركي إتش إي ميروين لأول مرة على “صبغة جديدة” على جداريات داخل معبد المحاربين في تشيتشن إيتزا. أُطلق عليها اسم “أزرق المايا” بعد بضع سنوات (1942) من قبل عالمي الآثار الأميركيين آر جيه غيتنز وجي إل ستاوت. توقفت الأبحاث خلال الحرب العالمية الثانية، ولم يتم الكشف عن أن صبغة “أزرق المايا” قد صُنعت عن طريق خلط الطين، والباليجورسكيت (طين ليفي نادر)، والنيلة إلا في الخمسينيات من القرن الماضي من خلال تحليل حيود المسحوق. وفي عام 1993، نشر المؤرخ والكيميائي المكسيكي كونستانتينو رييس فاليريو وصفة لإعادة ابتكار اللون باستخدام الباليجورسكيت والمونتموريلونيت (طين ناعم) وأوراق النيلة.
يقدّر العلماء المعاصرون هذه الصبغة الغامضة لأن مرونتها الفريدة في مواجهة العوامل الجوية قد حافظت عليها في حالة شبه مثالية على الجداريات والتحف والمخطوطات التي تعود إلى عصور ما قبل الكولومبية، حتى بعد ألف عام.
تقول ماريا لويزا فاسكيز دي أغريدوس-باسكوال، أستاذة تاريخ الفن في جامعة فالنسيا بإسبانيا: “لقد حظيت الصبغة باهتمام كبير بسبب طبيعتها الغريبة كمادة هجينة عضوية وغير عضوية، ولوحة ألوانها المميزة، التي تتراوح من الفيروزي الفاتح إلى الأزرق المخضر الداكن، ومقاومتها الهائلة لهجوم الأحماض والقلويات والكواشف العضوية والتدهور البيولوجي”. وتقول إن الخصائص المذكورة أعلاه تجعل “أزرق المايا” أحد أهم الإنجازات التقنية والفنية لحضارة المايا.
وتضيف فاسكيز أنه رغم تحديد “أزرق المايا” كصبغة جديدة في عام 1931، فإن الأمر استغرق وقتًا طويلاً حتى فهم العلماء تركيبته، ولا تزال الدراسات مستمرة. وتقول لي: “لم يكن الأمر سهلاً لأنه كان صبغة هجينة، بين العضوي وغير العضوي، وكشف المكونات العضوية معقد”، مشيرة إلى التحسينات في التحليل الكروماتوغرافي (فصل الألوان) وغيره من التحليلات العلمية للمكونات التي سمحت لها ولفريقها بتحديد تركيبة “أزرق المايا” بشكل أكبر. حدد بحثها أن العملية الكيميائية المعقدة لابتكار الصبغة نتج عنها لونان متميزان: “الإنديغوتين” و”الديهيدروإنديغو”.
تقول فاسكيز: “تطلب ‘أزرق المايا’ طريقة معقدة لتصنيع مزيج من مواد وعناصر مختلفة، مثل استخلاص الصبغة من نبات ‘تشوج’ قبل ترسيبها على طين خاص يسمى الباليجورسكيت”. وتضيف: “يثبت ‘الإنديغوتين’ المستخرج من النيلة الذي يلتصق بالطين عن طريق تسخينه في فرن، مما ينتج لونا ثانيًا يسمى ‘الديهيدروإنديغو’، وهو ما يصنع ‘أزرق المايا'”.
وفقًا لفاسكيز، يستفيد المجتمع العلمي بشكل كبير من الشعوب الأصلية التي “تحافظ على المعرفة المتوارثة عن الأجداد”. وتقول: “إنهم حراس كل هذه التقاليد المتعلقة بأسلافهم، ومن الضروري المساعدة في التطور العلمي. إنه اتصال بين الماضي والحاضر. هذه التقاليد القديمة مهمة، وآمل ألا تضيع”.
“لؤلؤة الجنوب”: حيث بدأت الرحلة
وُلد ماي في دزان، وهي قرية يبلغ عدد سكانها 6 آلاف نسمة في الجزء الغربي من يوكاتان على بعد حوالي 100 كيلومتر جنوب عاصمة الولاية، ميريدا. معظم شبه الجزيرة مسطح ومليء بـ “السينوتي” التي تشكلت في أعقاب النيزك الكارثي الذي قضى على الديناصورات. ومع ذلك، في بلدية تيكول، التي تضم دزان، ترتفع الأرض إلى حد ما، مما يفسح المجال لمنطقة “بوك” (التلال بلغة المايا)، التي كانت مأهولة منذ حوالي القرن السابع قبل الميلاد.
تنتشر في المنطقة العديد من مدن المايا المهمة التي تعود إلى عصور ما قبل الكولومبية، مثل موقع “أوكسمال” للتراث العالمي، وهي مدينة مايانية قديمة ذات هندسة معمارية جميلة على طراز “بوك”. تتميز المباني في الأنقاض بجدران رأسية ناعمة مع سمات مثل الأعمدة، والإفريزات المتقنة، والأقنعة المزخرفة، والثعابين المنحنية، التي تمثل في الغالب إله المطر “تشاك”، وإله الثعبان ذي الريش “كوكولكان”، على التوالي.
لا تزال المنطقة مشهورة اليوم بسبب جودة الفخار والمنحوتات الطينية العالية، وخاصة مدينة تيكول، الملقبة بـ”لؤلؤة الجنوب”، على بعد 5 كيلومترات من دزان. المنطقة هي أيضًا مصدر للباليجورسكيت الموجود في الكهوف، الذي يستخدمه بعض الخزافين لطحنه وخلطه مع أنواع أخرى من الطين لجعل الفخار أكثر متانة. هنا، صقل ماي مهاراته في صناعة الخزف كطالب بين بعض أشهر الحرفيين في المكسيك، وبدأ في نهاية المطاف رحلته لإعادة ابتكار “أزرق المايا”.
يقول وهو ينقر بإصبعه على صدغه: “حلمت بالعمل كما فعل أسلافي بالطين والأصباغ الطبيعية”. يذكرني بأنه، مثل معظم الناس في قريته، لغته الأم هي المايا، ويؤكد أنه فخور بالعمل مثل أسلافه في ابتكار “أزرق المايا”.


