الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

أزمات لبنان المستمرة بين التطييف السياسي للسلطة والعروبة معا.

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د.محمد مراد: باحث في التاريخ السياسي والشؤون الدولية..

كثيرة هي المقولات والطروحات بشأن الفواعل الطائفية والمذهبية التي تركت بصماتها وما تزال، على المسار التاريخي للبنان الحديث مع نشأة الدولة الحديثة والنظام السياسي والتركيب الإجتماعي – السياسي للسلطة التي استمرّت تعيد نفسها مغلّفة بالتطييف السياسي، ليس لمحاصصة أنصبة السلطة فقط، وإنّما انسحب الأمر على معظم الحياة السياسية والإجتماعية، وصولا إلى الاستقواء بالخارج الدولي والعربي” القومي”، والإقليمي ” الإسلامي”.

سأكتفي بمعالجة إشكالية التناسل المستمر في توليد الأزمات اللبنانية التي لم تعرف النهاية لها في كل مراحل التاريخ اللبناني الحديث، محاولا إعادة تعريف هذه الإشكالية معتمدا منهج التاريخ الاجتماعي – السياسي بوصفه منهجا ديناميا تطوريا حراكيا يتابع الظاهرة المقصودة بالدراسة بدءا من الإلمام بجمع أسبابها المكوّنة، وتو صيف معطياتها الحدثية، وصولا إلى صياغة النتائج التي تنتهي اليها.

أن المراقب المتابع للمسار التاريخي للبنان الحديث والمعاصر ، يكتشف أن الأسباب العميقة التي لازمت الحياة السياسية اللبنانية تمحورت بصورة اساسية، حول مسألة تقدّمت على أسباب عديدة اخرى، وهي مسألة التطييف السياسي للسلطة الحاكمة للدولة مع كل مندرجاتها وتمظهراتها من ناحية، ومسألة تطييف عروبة لبنان ونعتها بالأسلمة السياسية من ناحية أخرى.

المسألة الأولى، التطييف السياسي للسلطة:
إنّ الطائفية السياسية لازمت تطور لبنان التاريخي قبل وبعد قيام الدولة الحديثة، ففي عهد القائمقاميتين (١٨٤٣-١٨٦٠ )، ظهرت الثنائية الدرزية- المارونية، ليعود الموارنة ليستفيدوا من الإنفتاح على الارساليات الأجنبية، وعلى اقتصاد الحرير وتتجيره مع فرنسا، وايضا من تكثيف هجوم الرأسمال الغربي باتجاه لبنان والمشرق العربي، فكان نظام المتصرفية ( ١٨٦١-١٩١٥) وهو النظام الذي أرسى التطييف السياسي للسلطة، والذي تترجم عمليا بالتركيب الطائفي لمجلس الإدارة ، وبغلبة مارونية سياسية واضحة، لم تلبث أن استمرت بوضوح أكثر في ظل الدولة الحديثة حتى ١٩٤٣، لتظهر ثنائية جديدة مارونية- سنية،مع تعزيز موقع كل منهما، حيث رسخّت المارونية السياسية استئثارها بمواقع السلطة الرأسية ( رئاسة الجمهورية، قيادة الجيش ، مواقع وزارية وإدارية…) ، في وقت راحت السنيّة السياسية لتقوّى بتطورات الوضع العربي ( الناصرية، المقاومة الفلسطينية…).

جاءت الحرب الطويلة ١٩٧٥-١٩٩٠ لتحدث تغييرات مهمة في مواقع ومعادلات جديدة في تركيب السلطة على أساس ثلاثية طائفية سياسية: شيعية- سنيًة- مارونية.. هنا، راحت الطائفية السياسية الشيعية تسابق سائر الطوائف الأخرى بالاعتماد على ولاءات الخارج ( السوري، الإيراني ..) ليتعاظم أمرها مع حزب الله الذي قفز بسرعة إلى موقع القوّة المسلّحة ، وكأيديولوجية اعتقادية دينية ولائية لنظام ولاية الفقيه الإيراني. هنا، اختلت معادلات الشراكة الحاكمة، الأمر الذي باتت معه الدولة هي الحلقة الأضعف، وبات الصراع الطوائفي والمذاهبي هو الذي يحكم المصير اللبناني ويضعه على مفترق وجودي يكون أو لا يكون.

المسألة الثانية، نعت العروبة بالأسلمة السياسية:
هي مسألة العروبة التي ما تزال ملتبسة في أذهان الكثيرين، فهي ظاهرة تاريخية لازمت التاريخ العربي قبل وبعد الإسلام، وهي في معناها العميق حراك حضاري تاريخي يعكس منجزات وتفاعلات الجماعات العربية في مجال جغرافي ذي خصوصية عربية في مناحي حياة لا تحصى في اللغة والثقافة والأدب والفلسفة والعلوم، كما في قيم الإسلام الذي نزل في أرض العرب ، الأرض التي مثّلت قلب الجغرافية التي انتشر فيها الاسلام كرسالة قيمة إنسانية شاملة.المشكلة تكمن في فهم مضمون العروبة الحضاري، بين عروبة نهضوية تقدمية، وعروبة وظيفية استثمارية من قبل نخب سياسية واجتماعية ودينية وعرقية وجهوية، وهذا ما أصاب العروبة بالتشوّه والتعاطي معها على غير مضمونها الحقيقي…

أن خلاص لبنان من أزماته التاريخية يكمن بالتأكيد على قيام الدولة الوطنية اللبنانية ، التي تتمتع بالدستورية والسيادة التامة على جغرافيتها السياسية المعترف بها دولياً، وهي الدولة العميقة التي ترسي العدالة الاجتماعية والمواطنة والانتماء إلى لبنان الوطن الواحد لجميع أبنائه في ظل عدالة توزيعية للثروات العامّة، ومساحة واسعة من المشاركة الديمقراطية من غير احتكار أو استثمار للعصبيات الطائفية لصالح زعامات سياسية ودينية تسعى لتفصيل سلطات وقوانين الدولة على قياسها، وليس على قياس شعب الدولة المنتمي إلى الاجتماع الوطني اللبناني الواحد .

https://hura7.com/?p=80200

الأكثر قراءة