جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لم تعد الحرب الروسية – الأوكرانية تقتصر على ساحات القتال أو خطوط الجبهة، بل امتدت آثارها إلى أحد أكثر القطاعات حساسية بالنسبة لروسيا، وهو قطاع الطاقة. فالدولة التي تُعد من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم تجد نفسها اليوم أمام أزمة وقود داخلية غير مسبوقة، فرضتها التطورات العسكرية واستهداف البنية التحتية النفطية، الأمر الذي بدأ ينعكس على كامل منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى.
فعلى الرغم من الثروة النفطية والغازية الهائلة التي تمتلكها روسيا، فإن الهجمات الأوكرانية المتكررة بالطائرات المسيّرة على المصافي الروسية أدت إلى تقليص القدرة التكريرية للبلاد، وخفض إنتاج البنزين والديزل، ودفع موسكو إلى اتخاذ إجراءات استثنائية شملت فرض قيود على صادرات الوقود، بل والبحث عن مصادر للاستيراد من الخارج، وهو تطور لم يكن متوقعًا بالنسبة لدولة اعتادت أن تكون أحد أهم مصدري الطاقة في العالم.
الطائرات المسيّرة تنقل الحرب إلى العمق الروسي
شهدت الأشهر الأخيرة تصعيدًا واضحًا في استخدام أوكرانيا للطائرات المسيّرة بعيدة المدى، التي لم تعد تستهدف المواقع العسكرية التقليدية فحسب، بل أصبحت تضرب منشآت الطاقة في عمق الأراضي الروسية، بما في ذلك مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة، وحتى محيط العاصمة موسكو.
وتعكس هذه الضربات تحولًا مهمًا في طبيعة الحرب، إذ لم تعد المعارك تقتصر على الجبهات الحدودية، بل أصبحت تمس القطاعات الاقتصادية الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد الروسي. كما أنها فرضت تحديات جديدة أمام القيادة الروسية التي سعت طوال السنوات الماضية إلى إبقاء الحياة اليومية في المدن الكبرى بعيدة عن آثار الحرب.
ولم تقتصر نتائج هذه الهجمات على الداخل الروسي، بل امتدت سريعًا إلى الدول المرتبطة بالبنية التحتية الروسية، ولا سيما في منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى، حيث تعتمد العديد من هذه الدول على المصافي وخطوط الأنابيب الروسية لتكرير أو نقل صادراتها النفطية.
كازاخستان في قلب الأزمة
تعد كازاخستان من أكثر الدول تأثرًا بالتطورات الأخيرة، ليس لأنها طرف في الحرب، بل بسبب ارتباط قطاعها النفطي بالبنية التحتية الروسية. فالهجمات التي استهدفت مصفاة أومسك، إحدى أكبر المصافي الروسية، وكذلك مصفاة أورينبورغ التي تعالج النفط ومكثفات الغاز القادمة من حقل كاراتشاغاناك الكازاخستاني، أدت إلى تراجع الإنتاج وإرباك عمليات التكرير، ما انعكس مباشرة على قطاع الطاقة الكازاخستاني.
ومع تزايد الضغوط على السوق الروسية، ظهرت تقارير تحدثت عن سعي موسكو لاستيراد نحو خمسين ألف طن من بنزين AI-91 وAI-92 من كازاخستان، بهدف تخفيف النقص في الأسواق الروسية. بالرغم أن وزير الطاقة الكازاخستاني إرلان أكينجينوف نفى تلقي بلاده طلبًا رسميًا بهذا الشأن، فإنه أكد استعداد بلاده لدراسة أي طلب مستقبلي إذا كانت الإمدادات المحلية تسمح بذلك، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها روسيا في تأمين احتياجاتها من الوقود.
وتشير هذه التطورات إلى تحول لافت، إذ أصبحت روسيا، التي طالما صدّرت الوقود إلى جيرانها، تبحث اليوم عن شركاء لتغطية احتياجاتها الداخلية، بعد أن بدأت بالفعل استيراد البنزين من الهند وبيلاروسيا، مع احتمال انضمام كازاخستان إلى قائمة الموردين. لقد اضطرت كازاخستان إلى تشديد الرقابة على صادرات الوقود وإجراءات المعابر الحدودية، بعد تزايد توجه السائقين الروس إلى محطات الوقود الكازاخستانية للاستفادة من الأسعار والإمدادات المتوافرة.
البحث عن طرق تصدير بديلة
أبرزت الأزمة كذلك مدى اعتماد كازاخستان على البنية التحتية الروسية، سواء عبر مصفاة أورينبورغ أو من خلال خط أنابيب بحر قزوين، الأمر الذي دفع القيادة الكازاخستانية إلى تسريع جهود تنويع طرق تصدير النفط. في هذا الإطار، أعلن الرئيس قاسم جومارت توكاييف عزمه زيادة صادرات النفط عبر خط أنابيب باكو – تبليسي – جيهان، في محاولة لتقليل الاعتماد على المسارات الروسية.
ورغم أن كازاخستان تبدو قادرة على تأمين احتياجاتها المحلية من الوقود في المدى القريب، فإن استمرار استهداف منشآت الطاقة الروسية قد يفرض تحديات أكبر تتعلق بتكرير النفط المخصص للتصدير وضمان وصوله إلى الأسواق العالمية.
أذربيجان… من الاستهداف إلى الفرصة
في المقابل، لم تسلم أذربيجان من تداعيات الحرب.ففي الخامس من تموز تعرضت محطة وقود تابعة لشركة “سوكار” الأذربيجانية جنوب أوكرانيا لهجوم بطائرة روسية مسيرة، ضمن سلسلة هجمات طالت أيضًا منشآت وسفارات ومصالح أذربيجانية داخل الأراضي الأوكرانية. لقد أثارت هذه التطورات غضبًا في باكو، حيث أبلغ وزير الخارجية الأذربيجاني السفير الروسي بأن تكرار استهداف المصالح الأذربيجانية يثير تساؤلات جدية حول طبيعة هذه العمليات، وما إذا كانت تتم عن قصد.
وبالرغم من أن وزارة الدفاع الروسية بررت الهجوم بأنه استهدف منشآت طاقة مرتبطة بالجيش الأوكراني، فإن الحادث ساهم في زيادة التوتر السياسي بين موسكو وباكو، في وقت أعلن فيه الرئيس إلهام علييف تضامنه مع أوكرانيا إلى جانب الرئيس فولوديمير زيلينسكي.
لكن، وعلى عكس دول أخرى، لا تبدو أذربيجان مهددة بأزمة وقود، نظرًا لامتلاكها احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، بل إن الأزمة الروسية قد تمنحها فرصة لتعزيز دورها كمورد بديل للطاقة في المنطقة. لقد برز ذلك بعد اتفاق السلام مع أرمينيا عام 2025، الذي أتاح لأول مرة منذ عقود تصدير الوقود الأذربيجاني إلى السوق الأرمينية، في خطوة اعتبرها كثيرون جزءًا من إعادة تشكيل منظومة الطاقة الإقليمية.
آسيا الوسطى تبحث عن بدائل
أما جمهوريات آسيا الوسطى، فقد وجدت نفسها أمام تحديات مباشرة نتيجة اعتمادها الكبير على الإمدادات الروسية. فقيرغيزستان، التي تعتمد على روسيا في نحو 90 في المئة من وارداتها من البنزين، بدأت تعاني نقصًا في الوقود مع نهاية شهر حزيران، ما دفعها إلى طلب المساعدة من كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان وأوزبكستان وبيلاروسيا لتأمين احتياجاتها.
أما طاجيكستان، التي تعتمد بصورة كبيرة على النفط القادم من مصفاة أومسك الروسية، فقد اضطرت إلى اتخاذ إجراءات حكومية للحفاظ على استقرار الأسعار، بالتوازي مع تسريع عمليات التنقيب عن النفط والغاز داخل أراضيها بمشاركة خبراء من شركة البترول الوطنية الصينية. حتى أوزبكستان، التي تمتلك موارد كبيرة من الطاقة، أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الغاز الروسي منذ توقيع اتفاقيتها مع شركة غازبروم عام 2023، وهو ما جعلها بدورها أكثر عرضة لتداعيات الأزمة الحالية.كما سارعت بيلاروسيا والصين إلى توقيع ترتيبات لتزويدها بالديزل ووقود الطائرات.
روسيا… من ضامن لأمن الطاقة إلى مصدر للمخاطر
تكشف هذه التطورات عن تحول استراتيجي في موقع روسيا داخل منظومة الطاقة الإقليمية. فبعد أن كانت موسكو تمثل لعقود الضامن الرئيسي لأمن الطاقة في فضاء الاتحاد السوفياتي السابق، أصبحت اليوم مصدرًا لحالة من عدم اليقين نتيجة الحرب وتداعياتها. كما أن شبكات الأنابيب والبنية التحتية التي شُيدت خلال الحقبة السوفيتية، والتي كانت تمنح روسيا نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا، تحولت تدريجيًا إلى مصدر قلق للدول التي تعتمد عليها، بعدما أصبحت عرضة للهجمات العسكرية والاضطرابات المرتبطة بالحرب. وأمام هذا الواقع، تتجه دول آسيا الوسطى والقوقاز إلى تنويع مصادر الطاقة ومسارات التصدير، في محاولة لتقليل اعتمادها التاريخي على موسكو، وبناء منظومة أكثر استقلالًا.
إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية
لا تقتصر تداعيات الأزمة على نقص الوقود داخل روسيا، بل تمتد إلى إعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة. فكل مصفاة تتوقف عن العمل، وكل خط أنابيب يتعرض للخطر، وكل دولة تبحث عن مورد جديد للطاقة، يساهم في إضعاف النفوذ الروسي الذي تأسس على مدى عقود من خلال السيطرة على شبكات النقل والتكرير والتصدير. بالرغم من أن نقص الوقود خلال موسم واحد قد لا يكون كافيًا لإحداث تحول جذري، فإن استمرار الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة الروسية قد يؤدي إلى تغييرات هيكلية بعيدة المدى، ليس فقط في الاقتصاد الروسي، بل في منظومة الطاقة الإقليمية بأكملها.
إذًا، في حال استمرت هذه المعادلة، فإن الحرب لن تعيد رسم خطوط الجبهة العسكرية فحسب، بل ستعيد أيضًا رسم خريطة الطاقة في منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى، وتدفع دولها إلى بناء علاقات اقتصادية جديدة تقلل من اعتمادها التقليدي على روسيا، في واحدة من أهم النتائج الاستراتيجية التي فرضتها الحرب منذ اندلاعها.


