الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

أزمة الوقود والنقل في ظل التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تتفاقم أزمة نقص الوقود في العديد من البلدان، مما يسبب امتناع المزارعين عن حصاد محاصيلهم ورفض شركات الطيران نقل الأمتعة والشحنات التجارية. في هذا السياق، تتسع الفجوة عالميًا بين أسعار النفط الورقية وأسعار تسليم النفط الفعلية. بينما تُتداول العقود الآجلة للنفط عند 95-96 دولارًا في البورصات، فإن المشترين في السوق الفعلي مستعدون لدفع ما بين 130 و150 دولارًا للبرميل الواحد من النفط الحقيقي. ورغم هذه الأسعار المرتفعة، يستمر نقص الوقود، مما يخلق واقعًا جديدًا: شركات الطيران لا تقبل أمتعة بعض الركاب، والمزارعون في آسيا غير قادرين على حصاد محاصيلهم، مما يؤدي إلى ارتفاع حاد في سعر الأرز، وهو غذاء أساسي.

استغل المضاربون في سوق الأسهم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن احتمالات إنهاء الحرب مع إيران، ساعين إلى الربح من التقلبات اليومية في أسعار النفط. ارتفعت أسعار العقود الآجلة للنفط بعد ظهر الأربعاء، معوضةً جزئيًا الخسائر التي تكبدتها في الجلسة السابقة.

ويعني ذلك أن التفاؤل الذي غذته الآمال في التوصل إلى حل تفاوضي للنزاع الإيراني بدأ يتلاشى تدريجيًا. فحتى إذا تحقق انفراج هذا الأسبوع وتم فتح مضيق هرمز بسرعة نسبية، فإن القضاء على اضطرابات الإمداد لمجموعة من السلع الأساسية، من النفط والغاز إلى الأسمدة والهيليوم، سيستغرق وقتًا طويلاً.

تأثير الأزمة على الاقتصاد العالمي

تضررت طاقة إنتاج النفط وتكريره في الشرق الأوسط جزئيًا، لذا لم يعد من المهم كثيرًا ما إذا كان الأمريكيون يلوحون بتهديدات قبل شن هجوم جديد على إيران، أم أنهم مستعدون فعلاً للاعتراف بالهزيمة. الاقتصاد العالمي يتكيف حاليًا مع فترة طويلة من نقص الطاقة، مما يقلل من المعروض من السلع والخدمات ويرفع الأسعار على المستهلكين النهائيين.

وقد بلغ سعر برميل النفط الخام للبيع الفوري في أوروبا مستوى قياسيًا بلغ 150 دولارًا في وقت سابق من هذا الأسبوع. كما قفزت أسعار تسليمات النفط قصيرة الأجل في مناطق أخرى. وقد جعل مستوى أسعار الوقود الجديد بعض أنواع الإنتاج غير مجدية اقتصاديًا دون ارتفاع الأسعار على المستهلكين النهائيين.

فعلى سبيل المثال، شهدت أسعار الأرز في آسيا أعلى ارتفاع لها منذ أكثر من عامين بسبب ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة. وذكرت بلومبيرغ أن بعض المزارعين التايلانديين توقفوا تمامًا عن الحصاد في ظل بيئة الأسعار الجديدة. وارتفع سعر الأرز الأبيض التايلاندي (المعيار الآسيوي) بنسبة 10% خلال أسبوع. لكن هذه مجرد إشارة مبكرة إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج بدأ يؤثر على السوق. قبل العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، كانت أسعار الأرز في اتجاه هبوطي مستمر، وكانت قريبة من أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقد.

ويشار إلى أن بعض المزارعين في تايلاند أوقفوا زراعة الأرز لأن أرباحهم ببساطة لا تغطي التكاليف المتزايدة.

ووفقًا لوزارة الزراعة الأمريكية، تُعد تايلاند ثالث أكبر مُصدّر للأرز في العالم. ويقوم المزارعون في البلاد، إلى جانب مزارعين آخرين في المنطقة، حاليًا بحصاد المحصول خارج الموسم، ويستعدون لزراعة المحصول الرئيسي، المقرر أن يبدأ في مايو/أيار.

تأثير أزمة الوقود على النقل الجوي

بينما يمتنع المزارعون في آسيا عن الحصاد، ترفض شركات الطيران في أوروبا نقل أمتعة الركاب أو الشحنات المصاحبة لها. ونظرًا لأزمة الوقود، تُضطر شركات الطيران أحيانًا إلى ترك أمتعة الركاب والشحنات التجارية في مطارات المغادرة، وذلك كحل للتكيف مع عدم القدرة على التزود بالوقود في المطارات الوسيطة. ووفقًا لصحيفة “إيكونومي” التركية، فإن خطر التوقفات الإجبارية يُجبر شركات الطيران على حمل وقود إضافي لرحلات العودة، مما يُقلل من حمولة الطائرات. تُغيّر هذه الإجراءات بشكل كبير لوجستيات الرحلات متوسطة المدى. فعلى سبيل المثال، تُظهر الحسابات أنه عند استخدام طائرة إيرباص A321neo، تحتاج رحلة إسطنبول-لندن عادةً إلى حوالي 9 أطنان من الوقود، ولكن الحاجة إلى احتياطي لرحلة العودة تزيد الحمولة بحوالي 8 أطنان. ويؤدي هذا إلى انخفاض حاد في سعة الحمولة للامتثال لأنظمة السلامة، حيث يبقى جزء كبير من الشحنات في حظائر الطائرات، كما أن أمتعة الركاب قد تُترك على الأرض أيضًا.

يؤدي الوزن المتزايد للطائرة بطبيعة الحال إلى زيادة استهلاك الوقود: فمقابل كل طن إضافي، تستهلك الطائرة ما بين 3 و4% وقودًا نفاثًا إضافيًا. ونتيجة لذلك، في رحلة تستغرق حوالي 3.5 ساعات، يُستهلك ما يقارب طنًا واحدًا من الوقود لمجرد نقل الوزن الإضافي. علاوة على ذلك، للحفاظ على التوازن، يجب على شركات الطيران ترك بعض المقاعد شاغرة أو إغلاقها أمام بيعها.

على الرغم من عدم وجود نقص في الوقود في تركيا، إلا أن بعض الطائرات تقوم بتوقفات فنية في إسطنبول للتزود بالوقود فقط، حتى وإن لم تكن المدينة وجهتها النهائية. الأسبوع الماضي، خفّض بنك جيه بي مورغان الأمريكي توقعاته لأرباح شركات الطيران الأوروبية بنسبة 23% في المتوسط للسنة المالية الحالية. وحذّرت وزارة الطاقة الأمريكية من أن عودة إمدادات النفط ومشتقاته إلى وضعها الطبيعي غير ممكنة حتى نهاية عام 2026، حتى لو انتهى الصراع في الشرق الأوسط في أبريل 2026.

تأثير نقص الوقود على الصناعات الأوروبية

كما يُعطّل نقص النفط سلاسل إمداد السلع التي تستخدم المواد الكيميائية. فبدون المواد الكيميائية الأساسية، تُعاني دول الاتحاد الأوروبي في إنتاج الغذاء والتغليف والإطارات والبلاستيك ومكونات السيارات. ولذلك، أصبحت المواد الخام الكيميائية والبتروكيميائية من أكثر عناصر الاقتصاد الأوروبي عرضة للخطر، وفقًا لوكالات أمريكية. ولا يقتصر الخطر الرئيسي، بحسب توقعاتهم، على ارتفاع تكلفة النفط والغاز فحسب، بل يشمل أيضًا ارتفاع الأسعار واحتمال حدوث اضطرابات في إمدادات المكونات الكيميائية الرئيسية. لا تزال البتروكيماويات عنصراً أساسياً في الزراعة والطب والخدمات اللوجستية وإنتاج البلاستيك. لذا، فإن أي خلل في الإنتاج سيؤثر سريعًا على سلسلة القيمة والأسعار بأكملها.

ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، ارتفعت صادرات النفط ومشتقاته الروسية بنسبة 4.7% في مارس 2026 مقارنةً بشهر فبراير. وذكرت الوكالة أن الزيادة في عائدات صادرات الطاقة الروسية في مارس تجاوزت 3.8 مليار دولار.

https://hura7.com/?p=77926

الأكثر قراءة