جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أعاد الموقف الأمريكي المتردد بشأن منح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج صواريخ اعتراضية لمنظومة باتريوت فتح النقاش حول حدود الدعم العسكري الغربي لكييف، ومدى قدرة الولايات المتحدة على مواصلة نقل تقنياتها الدفاعية المتقدمة في ظل تزايد الضغوط الاستراتيجية وتراجع مخزونات بعض الأنظمة الحيوية.
لقد بدا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستعدًا لمنح أوكرانيا إمكانية إنتاج صواريخ باتريوت محليًا، إلا أن هذا الموقف شهد تغيرًا واضحًا بعدما أبدى البيت الأبيض تحفظات بشأن نقل التكنولوجيا العسكرية الحساسة. وأوضح ترامب أن هذه الأسلحة تمثل قدرات استثنائية، وأن الولايات المتحدة مطالبة بالتعامل بحذر شديد مع مسألة مشاركة تقنياتها المتقدمة مع دول أخرى.
الدبلوماسية الأمريكية ومسار الحرب في أوكرانيا
أكد الرئيس الأمريكي أن الأولوية بالنسبة إليه تتمثل في الوصول إلى حل دبلوماسي للنزاع، قائلًا إن هدفه ليس البحث عن مزيد من الصواريخ، بل تحقيق السلام. كما أشار إلى أن نقل التكنولوجيا العسكرية السرية لا يزال موضع نقاش داخل الإدارة الأمريكية، وأن منح دول أخرى القدرة على تصنيع أنظمة متقدمة بشكل مستقل يمثل قرارًا معقدًا، خصوصًا مع احتمال استخدام هذه التقنيات مستقبلًا بطرق قد لا تتوافق مع المصالح الأمريكية.
معضلة نقل تكنولوجيا التصنيع العسكري
وكان ترامب قد أبدى، خلال قمة سابقة لحلف الناتو، استعداده لمنح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج صواريخ باتريوت، إلا أن هذه المبادرة واجهت تساؤلات حتى داخل الأوساط الغربية، بسبب طول الفترة الزمنية المطلوبة لإنشاء خطوط إنتاج فعالة، في حين تحتاج أوكرانيا إلى تعزيز دفاعاتها الجوية بشكل عاجل لمواجهة الهجمات الصاروخية.
ولا يرتبط تعثر المشروع بالموقف السياسي الأمريكي فقط، بل توجد عوامل تقنية واقتصادية تعقد إمكانية تنفيذه. فالتكنولوجيا الأساسية المرتبطة ببعض مكونات منظومة باتريوت تخضع لحقوق واعتبارات شركات أمريكية كبرى، وعلى رأسها شركة بوينغ، التي يُنظر إلى موقفها باعتباره أحد العوائق الرئيسية أمام نقل بعض التقنيات، إذ تخشى الشركات الدفاعية من ظهور منافسين جدد قادرين على إنتاج أنظمة مشابهة بتكاليف أقل.
القدرات التصنيعية الأوكرانية والعقبات الميدانية
ترى روسيا أن أوكرانيا تواجه مجموعة من التعقيدات، وفي مقدمتها محدودية القدرات التصنيعية، إضافة إلى تعرض بعض المنشآت الصناعية والعسكرية للضربات، الأمر الذي قد يحد من قدرتها على إعادة بناء قطاع التصنيع العسكري.
غير أن هذا التصور يركز أساسًا على الداخل الأوكراني، في حين لا يتناول بصورة مباشرة قدرات بعض المصانع الموجودة في دول الاتحاد الأوروبي، والتي تمثل، من وجهة النظر الروسية، تحديًا أكبر بسبب صعوبة استهدافها عسكريًا. وترى موسكو أن إقامة منشآت تصنيع متقدمة لا تحتاج فقط إلى تراخيص، بل تتطلب كوادر متخصصة وسنوات من التدريب والتطوير، وهو ما يجعل إنتاج صواريخ باتريوت داخل أوكرانيا مشروعًا طويل الأمد لا ينسجم بالضرورة مع الاحتياجات العسكرية العاجلة.
الرؤية الأوكرانية لتجاوز أزمة الدفاع الجوي
لكن كييف تحاول الحصول على صواريخ جاهزة من الولايات المتحدة بدل انتظار إنشاء خطوط إنتاج محلية. وقد طلب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الحصول على حزمة دفاعية تتضمن مئات الصواريخ الاعتراضية لحماية البنية التحتية الحيوية، خصوصًا منشآت الطاقة التي أصبحت هدفًا رئيسيًا خلال الحرب.
غير أن واشنطن تواجه هي الأخرى مشكلة تتعلق بمخزوناتها العسكرية. فقد أشارت تقارير أمريكية إلى تراجع أعداد صواريخ باتريوت المتوفرة لدى الجيش الأمريكي بعد استخدامها في أزمات وصراعات متعددة، الأمر الذي يدفع المسؤولين إلى إعادة تقييم حجم المساعدات التي يمكن تقديمها دون التأثير على جاهزية القوات الأمريكية.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن الولايات المتحدة كانت دائمًا شديدة الحذر في نقل تقنياتها الدفاعية الأكثر تطورًا، حتى مع بعض حلفائها المقربين، ولذلك فإن حصول أوكرانيا على كامل المعرفة التقنية اللازمة لإنتاج صواريخ باتريوت يبقى أمرًا صعبًا.
البدائل الأوروبية وحدود القدرة على التعويض
كما أن البدائل الأوروبية لا تبدو قادرة على سد الفجوة بشكل كامل. فالدول الأوروبية قد تحاول البحث عن مخزونات إضافية من صواريخ باتريوت أو تطوير أنظمة دفاع جوي خاصة بها، إلا أن قدراتها الإنتاجية محدودة، كما أن بعض المشاريع الأوروبية تحتاج إلى سنوات قبل دخولها مرحلة التشغيل الفعلي.
المساعي الغربية لتعزيز الدفاعات الأوكرانية
وتسعى بعض الدول إلى تطوير حلول بديلة، مثل زيادة إنتاج الطائرات المسيّرة الاعتراضية أو تحديث أنظمة دفاع جوي قديمة، لكن الخبراء يرون أن هذه البدائل لا تمتلك القدرات نفسها التي توفرها منظومات باتريوت الأمريكية، خصوصًا في مواجهة الصواريخ الباليستية والتهديدات الجوية المتقدمة.
وتعلق كييف آمالًا خاصة على ألمانيا التي تخطط لإنتاج منظومات باتريوت، إلا أن دخول هذه المنشآت مرحلة العمل قد يستغرق سنوات، وهو ما يجعل أوكرانيا أمام فجوة زمنية صعبة في ظل حاجتها الحالية إلى حماية أجوائها.
وفي النهاية، تكشف أزمة باتريوت أن الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا لا يرتبط فقط بالرغبة السياسية في المساندة، بل تحدده أيضًا اعتبارات التكنولوجيا، والقدرات الصناعية، وحسابات الأمن القومي للدول الداعمة. فبين حاجة أوكرانيا الملحّة إلى تعزيز دفاعاتها الجوية، وحرص الولايات المتحدة على حماية أسرارها العسكرية والحفاظ على مخزوناتها، يبقى مستقبل منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية مرتبطًا بتوازن معقد بين متطلبات الحرب وحسابات القوى الكبرى.


