الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

أستراليا تنتزع أوقيانوسيا من الصين

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يتحوّل جنوب المحيط الهادئ إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي بين القوى الكبرى، ويُعدّ قرار ماثيو ويل، رئيس وزراء جزر سليمان الجديد، بمراجعة المعاهدة مع الصين مثالاً واضحًا على هذا الصراع الاستراتيجي. وقد أعلن ويل هذا القرار في أستراليا، خلال زيارة رسمية عقب فوزه في الانتخابات البرلمانية، في خطوة تعكس تغيّرًا جذريًا في سياسة بلاده الخارجية، بعد سنوات من التقارب مع بكين.

وفقًا لتصريحات ويل، فإن حكومته لن تكون متحالفة مع الصين كما كان الوضع سابقًا، بل مع أستراليا المدعومة من الولايات المتحدة، وهو ما يمثل تحوّلًا استراتيجيًا مهمًا في التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة. ورحبت كانبرا بهذه الخطوة، ووعدت بتقديم مساعدات مالية كبيرة ونشر قوات شرطة أسترالية في الجزر، في إطار ما يبدو أنه محاولة لضمان نفوذ أستراليا وتقوية حضورها العسكري والأمني في المحيط الهادئ.

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، فإن الاتفاقية مع بكين، الموقعة عام 2022، تضمنت بنودًا سرية، من بينها نشر قوات شرطة صينية في الجزر، وكان توقيعها بإشراف ماناسيه سوغافاري، رئيس حكومة جزر سليمان السابقة. ونظرًا لعدم وجود جيش في جزر سليمان، تلعب الشرطة دورًا بالغ الأهمية في حفظ الأمن الداخلي. ومع ذلك، لم تُنفَّذ بنود نشر القوات الصينية بالكامل، إذ اكتفت بكين بإرسال مدربين لتدريب قوات إنفاذ القانون المحلية، ما جعل الاتفاقية أقل فعالية على الأرض.

على الصعيد الدبلوماسي، كانت جزر سليمان من الدول القليلة في المنطقة التي تمتعت بعلاقات وثيقة مع الصين. وبناءً على طلب بكين، قطعت حكومة سوغافاري العلاقات الدبلوماسية مع تايوان عام 2019، في خطوة أظهرت التزام الجزر بمصالح الصين الإقليمية. ومع وصول حكومة ويل الجديدة، تغير كل شيء، إذ تسعى جزر سليمان الآن إلى إعادة توجيه سياساتها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية والأمنية.

في مؤتمر صحفي مشترك عقد في كانبرا، صرّح ويل، جنبًا إلى جنب مع رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، قائلاً: “جزر سليمان صديقة لأستراليا وستبقى كذلك. صحيح أننا واجهنا بعض المشاكل في الماضي، لكننا سنحلها”. وكان يقصد بذلك البنود السرية في المعاهدة السابقة مع الصين، والتي لم يُسمح له بالاطلاع عليها إلا بعد توليه منصبه الجديد. وقد أقدمت الحكومة الجديدة على إقالة مسؤولين بارزين كانوا يعرقلون توسيع العلاقات مع أستراليا، ما أتاح فرصة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية.

بدوره، صرح ألبانيزي: “اليوم، وبناءً على طلب جزر سليمان، اتفقنا على الارتقاء بعلاقاتنا إلى مستوى جديد، وسينعكس ذلك في معاهدة شاملة جديدة.” ولم يحدد الطرفان حتى الآن المجالات السياسية أو الدفاعية أو الاقتصادية التي ستغطيها المعاهدة، إلا أن إشارة ألبانيزي إلى اختيار جزر سليمان أستراليا شريكًا أمنيًا لها، تؤكد أن العلاقة ستكون متينة ومبنية على تعاون استراتيجي طويل الأمد.

وليس من قبيل الصدفة أن أستراليا قدمت للجزر 100 مليون دولار عام 2024 لدعم قوات الشرطة الخاصة بها، وهو ما يعكس حرص كانبرا على بناء قدرة محلية قوية لضمان استقرار البلاد وحماية مصالحها في المنطقة. ويعتبر هذا التمويل جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز النفوذ الأسترالي في جنوب المحيط الهادئ، في مواجهة النفوذ الصيني المتزايد خلال السنوات الماضية.

لكن رغم تفوق أستراليا على بكين في النفوذ الحالي، يحذر الخبراء من أن العلاقات لن تكون مستقرة بشكل دائم. فقد قال كونور غراهام، الباحث في معهد لوي الأسترالي: “لن تصبح علاقات أستراليا مع هذه الجزر آمنة إلا عندما تساعد كانبرا شريكها بصدق على تحسين أنظمة الرعاية الصحية والتعليم، وتوفير حماية أفضل لسكان الجزر من تأثيرات تغير المناخ.” ويضيف: “إلا إذا التزمت أستراليا بتحقيق تنمية شاملة، فإن الصين قد تستعيد نفوذها بسهولة عبر تقديم المساعدات الاقتصادية أو الاستثمارات الموجهة.”

وفي الوقت الراهن، تؤكد تصرفات أستراليا أنها تتبع سياسة الولايات المتحدة في مواجهة الصين، حيث تعتبر واشنطن شريكًا أساسيًا لها ضمن تحالف AUKUS الذي يضم أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة. وتستمر الولايات المتحدة في اعتبار الصين المنافس الاستراتيجي الرئيس في المنطقة، وتستخدم جزر سليمان كنموذج لتوسيع النفوذ الأمريكي-الأسترالي في جنوب المحيط الهادئ.

إن التحولات الأخيرة في سياسة جزر سليمان توضح كيف أصبحت الجزر الصغيرة في جنوب المحيط الهادئ ساحة مهمة للتنافس بين القوى الكبرى، حيث يمتزج البعد السياسي مع الأمني والاقتصادي، ويصبح كل قرار محلي ذا أبعاد استراتيجية عالمية. ويتضح أن المستقبل الإقليمي سيعتمد بشكل كبير على قدرة أستراليا على الحفاظ على شراكتها مع الجزر، وتقديم دعم فعلي ومستدام، لتجنب عودة الصين إلى المشهد بقوة.

https://hura7.com/?p=80015

الأكثر قراءة