الأكثر قراءة

عقيدة الردع الاستباقي في مواجهة الحرب الهجينة: قراءة في مقترحات تطوير الصلاحيات الاستخباراتية في ألمانيا

جريدة الحرة بيروت 

بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش

في ظل التوتر المتصاعد الذي يلف الساحة الأوروبية، برزت تداعيات أمنية وسياسية بالغة الخطورة إثر العثور على طائرة مسيرة مفخخة داخل المنطقة الحساسة للشحن الجوي في مطار لايبزيغ/هاله الألماني. الحادثة، التي وُصفت رسمياً بأنها هجوم هجين، فجرت سجالاً حاداً بين التيارات السياسية والأمنية في ألمانيا حول كيفية التعامل مع التهديدات المفترضة وحدود الرد المشروع.

أصوات التحذير والتشكيك في الرواية الرسمية

برزت مواقف متحفظة داخل المشهد السياسي الألماني، حيث انتقد بيرند رودولف، البرلماني عن ولاية ساكسونيا، التسرع في توجيه الاتهام لروسيا ونشر تكهنات غير مؤكدة. وشدد على ضرورة التحلي بالموضوعية وإخضاع الواقعة لتحقيق دقيق وشامل، لا سيما في ظل احتمالية أن يكون الحادث عملاً استفزازياً متعمداً يعتمد على تضليل ومعلومات غير دقيقة.

من جهتها، سعت السفارة الروسية في برلين إلى تفنيد الاتهامات الموجهة لموسكو، معتبرة أن ما جرى لا يعدو ككونه استفزازاً مدبراً ومحبوكاً على عجالة، ويهدف بشكل مباشر إلى خدمة الأجندة الخاصة بنظام كييف والتيارات المؤيدة للعسكرة داخل دوائر صنع القرار في القارة الأوروبية. وذهبت الممثلة الدبلوماسية الروسية أبعد من ذلك، مؤكدة أن الخطر الأكبر الذي يهدد الأمن القومي الألماني لا يكمن في ما يُروج له من هجمات هجينة مبرمجة من موسكو، بل في سياسات بعض الساسة الذين يروجون لصدام عسكري وشيك مع روسيا.

مطالبات بتوسيع الصلاحيات الاستخباراتية

على الجانب المقابل، استغل بعض المسؤولين هذه الحادثة للدفع باتجاه إجراءات استباقية وأكثر صرامة. وفي هذا السياق، صرح هنريشمان لصحيفة “فيلت” بضرورة منح الأجهزة الأمنية صلاحيات أوسع لتحييد أي طائرات مسيرة قتالية عند مصدرها في روسيا، محذراً من أن التقاعس قد يُعرض البنية التحتية والمواطنين لخطر دهم تلك المسيرات. وكشفت التقارير أن هنريشمان يشارك في صياغة مشروع إصلاح تشريعي يستهدف السماح للأجهزة الاستخباراتية بتنفيذ ضربات إلكترونية استباقية تستهدف البنى التحتية والمصانع المنتجة للمسيرات الروسية.

تفاصيل الحادثة والتكهنات الميدانية

تعود تفاصيل الواقعة إلى ليلة الأربعاء الموافق الخامس من أغسطس، حين تنبه أحد العاملين في مطار لايبزيغ/هاله لوجود طائرة مسيرة محملة بعبوة ناسفة داخل نطاق أمني محظور مخصص لشحن البضائع. وفي هذا السياق، لفتت صحيفة “بيلد” إلى وجود طائرات أوكرانية بالقرب من موقع المسيرة، مما أضفى أبعاداً معقدة على التحقيقات وجعل الأجهزة الأمنية تقيم الموقف باعتباره تحدياً أمنياً نوعياً يتقاطع فيه الاستخباراتي بالسياسي.

هل تتحول الطائرات المُسيّرة إلى أداة جديدة في الصراع بين روسيا وألمانيا؟

تسلط هذه الواقعة الضوء على اتساع دائرة المخاوف الألمانية من استخدام الطائرات المسيرة في تنفيذ عمليات يمكن أن تستهدف منشآت حيوية، ولا سيما المطارات ومراكز النقل والبنية التحتية الحساسة. فوجود طائرة مسيرة تحمل عبوة ناسفة داخل منطقة أمنية للشحن الجوي يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، بدءًا من محاولة تنفيذ هجوم فعلي وصولًا إلى احتمال استخدام الحادث لإثارة حالة من القلق ودفع السلطات إلى تبني إجراءات أمنية أكثر تشددًا. وفي ظل تصاعد التوتر بين روسيا والغرب، أصبحت مثل هذه الحوادث قابلة للتوظيف السياسي والإعلامي بسرعة، خصوصًا عندما لا تكون الجهة التي تقف وراءها قد حُسمت بشكل قاطع.

ويكشف الجدل السياسي الذي أعقب الحادث عن انقسام واضح حول الطريقة التي ينبغي لألمانيا أن تتعامل بها مع التهديدات المحتملة المرتبطة بروسيا. فالدعوات إلى توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات وتنفيذ هجمات إلكترونية وقائية ضد منشآت مرتبطة بإنتاج الطائرات المسيرة الروسية تعكس انتقال النقاش من مرحلة الدفاع داخل الأراضي الألمانية إلى التفكير في إجراءات استباقية خارجها. لكن هذا الاتجاه يثير في المقابل أسئلة تتعلق بحدود الرد الألماني، واحتمال أن تؤدي الإجراءات الهجومية إلى توسيع دائرة التصعيد بدل احتوائها. كما أن التعامل مع كل حادث أمني باعتباره جزءًا من مواجهة روسية مباشرة قد يضع المؤسسات الألمانية أمام خطر اتخاذ قرارات مبنية على استنتاجات لم تكتمل أدلتها بعد.

ومن جهة أخرى، فإن تبادل الاتهامات بين برلين وموسكو يجعل مسألة “الحرب الهجينة” أكثر تعقيدًا، لأنها تقع في منطقة تتداخل فيها العمليات الأمنية مع الحرب الإعلامية والصراع السياسي. فروسيا تنفي باستمرار اتهامات غربية بتنفيذ عمليات تخريب أو تأثير سرية، بينما ترى دوائر أمنية وسياسية أوروبية أن موسكو طورت أدوات متعددة للضغط على خصومها دون اللجوء بالضرورة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

وبين الروايتين، تصبح التحقيقات المستقلة والدقيقة في كل حادث عاملًا أساسيًا لتحديد المسؤولية ومنع توظيف الوقائع الأمنية في تصعيد سياسي غير محسوب. وفي الحالة الألمانية، قد يكون التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين حماية المنشآت الحيوية والاستعداد لتهديدات جديدة، وبين تجنب تحويل الشكوك والاحتمالات إلى قناعات سياسية ثابتة قبل اكتمال الأدلة.

اختبارات كبرى لمنظومة الحماية اللوجستية

تلقي هذه الحادثة بظلال ثقيلة على كفاءة البنية التحتية اللوجستية في قلب أوروبا، وتكشف عن ثغرات مقلقة في خطوط الدفاع الأمنية للمطارات المدنية التي تتحول تدريجياً إلى أهداف محتملة في معادلات الصراع الحديث. إن تسلل جسم هجومي مفخخ إلى منطقة شديدة التحصين مثل الشحن الجوي في مطار حيوي يضع الشركات المشغلة والسلطات الإشرافية أمام مراجعة شاملة لبروتوكولات السلامة، مما يفرض أعباء مالية وتقنية هائلة لتحديث أنظمة الرصد المبكر وتأمين المجالات الجوية المحيطة بالمرافق الحيوية ضد التهديدات غير التقليدية.

تداعيات الهجمات الاستباقية ومآلات التصعيد المحتمل

في حال أقدمت ألمانيا على تفعيل مسار الهجمات الإلكترونية الوقائية أو تنفيذ عمليات عسكرية استباقية ضد مصانع الطائرات المسيرة أو البنى التحتية المرتقبة خارج حدودها، فإن ذلك سيشكل تحولاً تاريخياً وجذرياً في عقيدتها الأمنية والعسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، منتقلة من استراتيجية الدفاع المحض إلى سياسة الهجوم الاستباقي.

هذا التحول، قد يفتح باباً واسعاً أمام تداعيات خطيرة؛ أبرزها تورط برلين بشكل مباشر في حلقة مفرغة من التصعيد الميداني، وتحويل الأراضي والمنشآت الألمانية إلى هدف مشروع ومشخص لردود فعل انتقامية روسية، سواء عبر الهجمات السيبرانية المدمرة أو عبر وسائل “الحرب الهجينة” غير التقليدية. علاوة على ذلك، فإن تجاوز الخطوط الفاصلة بين الإجراءات الدفاعية والعمليات الهجومية الاستباقية سيؤدي حتماً إلى تقويض ما تبقى من قنوات الدبلوماسية والتواصل بين موسكو وبرلين، ويدفع القارة الأوروبية بأكملها نحو حافة مواجهة عسكرية أوسع نطاقاً يصعب السيطرة على تداعياتها أو احتواء خسائرها.

https://hura7.com/?p=82988

الأكثر قراءة