جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تشير التطورات إلى أن ثقة الألمان في الولايات المتحدة الأمريكية كحليف في حلف الناتو قد انخفضت بشكل حاد، في حين استمر الدعم لزيادة الإنفاق الدفاعي والجيش في الارتفاع. فمنذ بدء حرب أوكرانيا في فبراير 2022، عاد الجيش الألماني إلى مركز النقاش السياسي في ألمانيا، وسط جدالات حول إعادة التسلح والتجنيد الإجباري والزيادات الهائلة في الإنفاق الدفاعي.
كيف ينظر الألمان إلى قواتهم المسلحة؟
قام الدكتور تيمو غراف، وهو باحث كبير في مركز التاريخ العسكري والعلوم الاجتماعية التابع للجيش الألماني في بوتسدام، باستكشاف هذه الأسئلة في دراسته بعنوان “ألمانيا في دور القيادة العسكرية؟ الرأي العام حول سياسة الأمن والدفاع في جمهورية ألمانيا الاتحادية 2025”. يشكل هذا البحث جزءًا من سلسلة استطلاعات سنوية طويلة الأمد تعود إلى عام 1996.
يُقدّم هذا الاستطلاع، الذي أُجري بمعزل عن الأحداث السياسية اليومية، رؤية نادرة لكيفية تطوّر المواقف الألمانية تجاه الأمن والدفاع والجيش عبر الزمن. وباستخدام نحو 300 سؤال، تتناول الدراسة الرأي العام حول السياسة الخارجية وقضايا الدفاع والأمن، بالإضافة إلى التصورات عن الجيش الألماني نفسه.
يقول الدكتور غراف: “منذ عام 2022، شهدنا تحولًا حقيقيًا في طريقة تفكير الألمان بشأن الدفاع. في عام 2025، كان الاتجاه الأوضح في البيانات هو الانخفاض الحاد في الثقة بالولايات المتحدة كحليف في حلف الناتو”. بحسب السؤال المطروح، انخفضت الثقة بنسبة تصل إلى 28 نقطة مئوية.
وفي الوقت نفسه، تشير الأرقام إلى تزايد رغبة الألمان في استثمار المزيد في القدرات الدفاعية لبلادهم. فقبل عام 2022، كان الدعم لزيادة الإنفاق الدفاعي متواضعًا نسبيًا.
ثم ارتفع بشكل حاد بعد حرب أوكرانيا، وظلّ دون 60% بقليل منذ ذلك الحين. وشهدنا دفعة إضافية مدفوعة بما يُعرف بـ”تأثير ترامب”. في العام 2025 وحده، زاد الدعم بمقدار سبع نقاط مئوية أخرى ليصل إلى 65%، وهو أعلى مستوى تم تسجيله منذ عام 1996.
هل يمكن أن يتعمق فقدان الثقة أكثر؟
يوضح الدكتور غراف قائلًا: “من جهة، هذا أمر وارد تمامًا. عندما أجرينا الاستطلاع في العام 2025، كان ترامب قد عاد لتوه إلى منصبه. في تلك المرحلة، كان هناك توقع أكبر بأن العلاقات قد تصبح أكثر صعوبة مرة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بحلف الناتو والأمن الأوروبي. مع ذلك، كان الضرر الذي لحق بصورة الولايات المتحدة في استطلاعنا لافتًا للنظر.
وتابع منذ ذلك الحين، شهدنا أحداث غرينلاند، والحرب في إيران، وانتقادات واشنطن المتزايدة لحلف الناتو وأوروبا، فضلًا عن موقف الولايات المتحدة من حرب روسيا ضد أوكرانيا. من المتوقع أن يؤثر كل ذلك على التصورات العامة للولايات المتحدة.
وأضاف مع ذلك، لم أطلع بعد على بيانات هذا العام، لأن الاستطلاع لا يزال جاريًا. ولا أتوقع بالضرورة حدوث تحول مماثل لما شهدناه العام 2025، مع انخفاضات تجاوزت 20 نقطة مئوية. وبالنظر إلى الأرقام المطلقة، فإن مستوى الثقة متدن للغاية بالفعل.
أكد غراف: “لا يزال ثلث المستطلَعين تقريبًا في بعض الأسئلة، ينظرون إلى الولايات المتحدة كشريك موثوق به. لذا، ورغم احتمال حدوث مزيد من التراجع في بعض القضايا، لا أعتقد أننا سنشهد انخفاضًا مماثلًا لانخفاض العام 2025. وإلا، فسيتضاءل مستوى الثقة إلى الصفر تقريبًا، وهذا أمر غير واقعي برأيي”.
يقول غراف: “انطباعي هو أن الرأي العام قد توحد الآن حول نواة صلبة نسبيًا من المؤيدين الملتزمين بالعلاقات عبر الأطلسي، ومن غير المرجح أن تتقلص هذه المجموعة أكثر من ذلك بكثير”.
الألمان ينظرون إلى العلاقة مع واشنطن بنظرة عملية ومتوازنة
وردًا على سؤال، عند الاستماع إلى السياسيين، لا يزال الكثيرون يؤكدون على أن الولايات المتحدة لا تزال شريكًا مهماً لألمانيا. ألا يتعارض ذلك إلى حد ما مع نتائج الدراسة؟ أجاب الدكتور غراف: “لا، ليس تمامًا. يميل الألمان إلى النظر إلى العلاقة مع الولايات المتحدة بنظرة عملية ومتوازنة. نطرح مجموعة واسعة من الأسئلة حول هذا الموضوع. وبينما انخفض التأييد لتصريحات مثل “الولايات المتحدة شريك موثوق لألمانيا” بنسبة 28 نقطة مئوية، تُظهر نتائج أخرى صورة أكثر دقة”.
وتابع: “على سبيل المثال، لا يزال 58% يوافقون على ضرورة استمرار مشاركة الولايات المتحدة في الدفاع عن أوروبا، بينما يعارض ذلك 18% فقط”.
يشير ذلك إلى أن أغلبية واضحة من الألمان ما زالوا يدركون أن أوروبا، وألمانيا على وجه الخصوص، لا تزال تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الولايات المتحدة فيما يتعلق بالأمن. ويمكن ملاحظة النمط نفسه في المواقف تجاه الردع النووي، حيث لا يزال حوالي 46% يؤيدون الإبقاء على الأسلحة النووية الأمريكية في ألمانيا كرادع ضد روسيا. وقد ارتفع التأييد لهذا الموقف بشكل طفيف.
لا تبدو الصورة متناقضة. فحتى في عهد ترامب، لا يزال العديد من الألمان يفضلون وجود الولايات المتحدة إلى جانبهم، إن كان ذلك ممكنًا سياسيًا. وفي الوقت نفسه، يتزايد الوعي بمدى اعتماد أوروبا، وألمانيا على وجه الخصوص، على القدرات العسكرية الأمريكية.
ما مدى الدعم للجيش الألماني؟
يوضح الدكتور غراف: “لا تزال هناك في بعض الأوساط فكرة مفادها أن الألمان، بحكم تاريخهم، تربطهم علاقة معقدة بالجيش. وهذا صحيح إلى حد ما، إذ لا يزال الكثير من الألمان حذرين بشأن استخدام القوة العسكرية. مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين هذا وبين النزعة السلمية. فالألمان يميلون إلى التعامل مع استخدام القوة العسكرية بحذر لأنهم يرونها خطوة جادة، لا لأنهم يرفضونها رفضًا قاطعًا أو مبدئيًا”. لم تكن ألمانيا مجتمعًا مسالمًا بالدرجة الأولى قط.
تابع غراف: “تؤكد بياناتنا هذا الاستنتاج بوضوح. فحتى قبل عام 2022، تبنت أغلبية واضحة، تزيد عن 60% من الألمان، وجهة نظر عملية إلى حد كبير، واعتبروا الوسائل العسكرية والمدنية أدوات مشروعة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية والأمنية. أما نسبة 20% فقط فيمكن وصفهم بالمسالمين الحقيقيين، أي الذين يرفضون القوة العسكرية رفضًا قاطعًا ويدعمون الوسائل المدنية حصرًا”.
على النقيض تمامًا، لا تتجاوز نسبة من يُمكن وصفهم بالعسكريين 6%. وينطبق الأمر نفسه على نسبة الانعزاليين. والجدير بالذكر أن حرب أوكرانيا لم تُحدث تغييرًا يُذكر في هذه المواقف الكامنة منذ عام 2022، إذ ظل الحجم النسبي لهذه المجموعات مستقرًا بشكل ملحوظ. أما النقطة الثانية فتتعلق بالافتراض السائد بأن الألمان مسالمون عمومًا، وبالتالي متشككون في الجيش الألماني.
يقول غراف: “تُظهر بياناتنا صورةً مختلفة. فمنذ عام 2000، دأبنا على طرح السؤال نفسه حول الموقف العام للناس تجاه الجيش الألماني. وقد أفاد ما لا يقل عن ثلاثة أرباع المستطلعين باستمرار أن لديهم رأيًا إيجابيًا تجاهه، بينما قال 14% فقط إن لديهم رأيًا سلبيًا.
أكد غراف: “بلغ أعلى مستوى للتشكيك الذي سجلناه على الإطلاق 23% في عام 2002، في بداية انتشار القوات في أفغانستان. كما نتناول مسألة الثقة والأهمية والهيبة وعلاقة الناس الأوسع بالجيش الألماني. وعلى امتداد هذه المؤشرات، تبدو الصورة متسقة بشكل ملحوظ: لم تكن هناك سوى أقلية صغيرة نسبيًا ترفض الجيش الألماني رفضًا قاطعًا، بينما تنظر إليه أغلبية كبيرة نظرة إيجابية كمؤسسة”.
وتابع غراف: “ومع ذلك، ثمة ملاحظتان هامّتان، أولًا، غالبًا ما كانت عمليات الانتشار في الخارج أفغانستان أو مالي على سبيل المثال تُنظر إليها نظرة نقدية من قبل الجمهور. وقد فُسِّر ذلك في كثير من الأحيان على أنه نزعة سلمية أو رفض أوسع للجيش الألماني.
مخاوف بشأن الهجمات الإلكترونية أو المعلومات المضللة
أظهر استطلاع رأي أن الكثيرين يشككون في قدرات ألمانيا الدفاعية، ففي استطلاع أجراه معهد إنسا لصالح صحيفة “بيلد أم زونتاغ”، وافق 17% فقط من المشاركين، جزئيًا أو كليًا، على أن القوات المسلحة الألمانية قادرة على الدفاع عن ألمانيا بشكل كاف في حال وقوع هجوم. في المقابل، عارض 72% هذا الرأي، جزئيًا أو كليًا.
بحسب الاستطلاع، فإن احتمال وقوع هجوم روسي على ألمانيا بات مصدر قلق لدى عدد أقل من الناس مقارنة بالعام 2025. إذ أعرب 38% فقط من المشاركين عن قلقهم حيال هذا الأمر، بينما لم يُبدِ 50% أي قلق. وكان استطلاع آخر أجرته مؤسسة إنسا في سبتمبر 2025 قد أظهر أن غالبية المشاركين حوالي 52% كانوا قلقين آنذاك من احتمال وقوع هجوم روسي.
يزداد الخوف بشكل ملحوظ فيما يتعلق بالهجمات المحتملة في الفضاء الرقمي. ووفقًا للاستطلاع، أعرب ثلثا المشاركين عن قلقهم من أن تؤثر الهجمات الإلكترونية وأعمال التخريب والتضليل الموجه سلبًا على الحياة في ألمانيا. في المقابل، لم يُبدِ ما يزيد قليلًا عن الخمس حوالي 22% أي قلق يُذكر أو لم يُبدوا أي قلق على الإطلاق حيال هذه التهديدات المحتملة.


