جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

بدأت أفريقيا تدفع للصين أكثر مما تتلقاه منها، في تحول جذري يعكس التغيرات الكبيرة التي طرأت على العلاقات الاقتصادية بين القارة الأفريقية والصين في السنوات الأخيرة. هذه التحولات قد تُعتبر إحدى المراحل الحاسمة في مسار الشراكة بين الطرفين، خصوصًا في ظل تصاعد المدفوعات السنوية التي تُرسلها الدول الأفريقية إلى بكين، مقابل انخفاض القروض الجديدة التي كانت تأتي من الصين، التي كانت تُعتبر مصدرًا رئيسيًا للتمويل خلال العقد الماضي.
انخفاض القروض الصينية:
أفادت وكالة رويترز بتاريخ 27 كانون الثاني 2026،، استنادًا إلى تقرير بحثي أجراه معهد “ون داتا”، أن القروض الصينية للدول الأفريقية قد شهدت انخفاضًا ملحوظًا خلال العشر سنوات الماضية. يشير التقرير إلى أن الصين كانت قد أسهمت بشكل كبير في تمويل مشروعات التنمية في مختلف أنحاء القارة، خصوصًا في قطاع البنية التحتية. ولكن مع مرور الوقت، بدأت هذه القروض تتراجع، ما يعني أن العلاقات الاقتصادية بين الطرفين أخذت منحى مختلفًا. انخفاض القروض الجديدة يعني أن الدول الأفريقية أصبحت أكثر اعتمادًا على سداد القروض القديمة، ما أثقل كاهل اقتصاداتها.
تزايد المدفوعات لبكين:
في المقابل، تظهر الأرقام بشكل واضح أن المدفوعات السنوية التي تُرسلها الدول الأفريقية إلى الصين لسداد الديون قد ارتفعت بشكل لافت. ففي الفترة ما بين 2020 و2024، بلغ صافي التدفقات الخارجة من أفريقيا إلى الصين 22.1 مليار دولار، وهو رقم يعكس المبالغ التي تخرج من القارة في شكل مدفوعات للديون القائمة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت مدفوعات الدول الأفريقية من 31.8 مليار دولار في عام 2020 إلى 45.4 مليار دولار في 2024، وهو ما يشير إلى أن الدول الأفريقية أصبحت الآن تدفع أكثر مما تتلقاه من الصين.
هذه الزيادة في المدفوعات ترجع إلى تزايد الحاجة لسداد الديون الضخمة التي تراكمت نتيجة القروض التي منحتها الصين للعديد من الدول الأفريقية، مما يضع ضغوطًا مالية أكبر على هذه الدول التي كانت تعتمد في السابق على الاستثمارات الصينية لتطوير بنيتها التحتية.
تحديات جديدة للحكومات الأفريقية:
ومن بين أبرز الآثار المترتبة على هذه التحولات في العلاقة الاقتصادية بين الصين وأفريقيا، هي التحديات الكبيرة التي تواجهها الحكومات الأفريقية. فقد صرح ديفيد ماكنير، المدير التنفيذي لمؤسسة “ون داتا”، قائلًا: “انخفضت أحجام الإقراض، لكن لا تزال هناك حاجة لسداد القروض القائمة من الصين”. هذا التصريح يوضح أن معظم القروض التي كانت تُقدم سابقًا لصالح مشروعات كبيرة في القارة أصبحت الآن عبئًا إضافيًا على الحكومات التي تجد نفسها عاجزة عن الوفاء بتلك الالتزامات المالية المتزايدة.
ووفقًا لماكنير، فإن العديد من الحكومات الأفريقية تواجه صعوبة متزايدة في توفير الخدمات العامة الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية، بالإضافة إلى قلة الاستثمار في مشاريع التنمية الجديدة. هذا الوضع يفاقم من أزمة التمويل في دول ذات دخل منخفض ومتوسط، حيث يُعاني كثير من هذه الدول من تزايد العجز المالي بسبب ارتفاع مدفوعات الديون.
تأثير هذا التحول على الدور الصيني في أفريقيا:
إن هذا التحول في الديناميكية الاقتصادية بين الصين وأفريقيا قد يُغير بشكل كبير الدور الذي تلعبه الصين في مستقبل القارة. كانت الصين في العقدين الماضيين أحد أكبر الداعمين الماليين لأفريقيا، من خلال تقديم قروض ميسرة لتمويل العديد من مشروعات البنية التحتية والمبادرات التنموية. ولكن الآن، وفي ظل تراجع القروض الصينية، قد تجد العديد من الدول الأفريقية نفسها في وضع اقتصادي هش، غير قادر على الاستفادة من القروض الجديدة التي كانت تأمل فيها لتسريع وتيرة التنمية.
على الرغم من انخفاض حجم القروض، فإن الصين لا تزال شريكًا اقتصاديًا مهمًا بالنسبة لأفريقيا، إلا أن هذا الدور بدأ يتحول من كونه شريكًا يُقدم التمويل إلى كونه مستلمًا للمدفوعات. ما يثير القلق هو أن هذا التحول قد يضعف من قدرة الدول الأفريقية على تحقيق تنمية مستقلة في المستقبل، في الوقت الذي تتزايد فيه الفجوات الاقتصادية والاجتماعية في القارة.
الآفاق المستقبلية:
في ضوء هذا التحول، قد تضطر الحكومات الأفريقية إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الاقتصادية، حيث سيكون عليها التفكير في إيجاد مصادر تمويل جديدة ومستدامة بعيدًا عن الاعتماد الكبير على الصين. كما أن القارة قد تحتاج إلى التركيز على تعزيز قدراتها المالية الداخلية من خلال تحسين إدارة الموارد المالية، وزيادة التعاون مع مؤسسات مالية دولية أخرى، إضافة إلى العمل على تطوير أسواقها المالية المحلية.
في النهاية، سيستمر دور الصين في القارة الأفريقية في التغير مع مرور الوقت، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف ستتمكن الدول الأفريقية من التكيف مع هذا التحول؟ وهل ستتمكن من بناء اقتصاديات مستقلة بعيدة عن الاعتماد على القوى الاقتصادية العالمية الكبرى مثل الصين؟ هذه أسئلة سيحدد الإجابة عنها مسار التنمية في أفريقيا في المستقبل القريب.


