جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

إن ما يشهده النظام العالمي الراهن لا يمثل مجرد اضطراب عابر في موازين القوى، بل هو مخاض ولادة لنظام دولي جديد يتشكل عبر صدمة حضارية وهزة قيمية عنيفة تقودها الإدارة الأمريكية ومن خلفها القوى العميقة؛ حيث تُعاد هيكلة الوجود الدولي وفق فلسفة الواقعية النفعية التي تعتمد على تحقيق الهزيمة المعنوية للخصوم عبر الاستخفاف بالآخر، وإسقاط الشعارات التقليدية التي سادت في المرحلة السابقة كحكم الشعب وحقوق الإنسان. لقد غدت هذه المفاهيم، في المنطق الاستراتيجي الجديد، مجرد أدوات بائدة لا تجد صدى لها إلا في ذهنية المجتمعات التي تعاني من ركود في حركتها الحضارية والإدارية، والتي رغم امتلاكها ثروات هائلة وطاقات مميزة من الموارد الأرضية، إلا أنها تعجز عن إدراك قيمة ما تملك أو استثماره بالشكل الذي يحفظ كيانها. وبناءً على هذا المفهوم، يرى العقل الاستراتيجي المعاصر أن من حق القوى الأكثر قدرة على الابتكار والاستثمار الاستفادة من هذه الثروات، معتبراً أن الأوطان التي تكتفي بالتمسك بالماضي دون إيلاء الاهتمام الكافي للتقدم العلمي وقيمه الحاكمة، ستجد نفسها عاجزة تماماً عن قيادة مساراتها، أو ستضطر لتحمل تكلفة باهظة مقابل الحصول على العون الخارجي، وهو ثمن يُسدد من رصيد سيادتها ومواردها.
في هذا الإطار المصلحي الصرف، لا مكان للوم، إذ يغدو منطق القوة هو الناظم الوحيد، حتى لو تطلب ذلك إجراءات قاسية لتأمين المصالح الاستراتيجية الكبرى. إن هذا العقل الجديد يرفض الالتزام بأي ناظم قيمي طالما أن الغاية هي تأمين التفوق المادي وتصفية الصراعات بمنطق الصفقات الكبرى بعيداً عن أروقة الهيئات الدولية، مما يفرض على الأمم إعادة قراءة مفهوم السيادة خارج الأطر التقليدية للجغرافيا والحدود الصلبة، لينتقل بها إلى فضاء جيوبوليتيكا الابتكار. نحن اليوم على أعتاب النهضة الصناعية الخامسة، التي لا تكتفي بآليات التشغيل الذاتي للأنظمة، بل تدمج بين الوعي الإنساني والذكاء الفائق لتعزيز الاستدامة، وهو ما يضع الدول أمام تحدٍ وجودي؛ فإما الانخراط في هذا الزمن الحضاري المتسارع كمنتج فاعل للمعلومة، أو البقاء في خانة التبعية التي تسلب الإرادة السياسية وتجعل من الثروات الطبيعية مجرد وقود لنمو الآخرين. إن السيادة في هذا العصر لم تعد تُحمى بالوسائل العسكرية وحدها، بل بالاستقلال المعلوماتي والقدرة على بناء بنية تحتية تقنية حصينة، مما يجعل من “السيادة الافتراضية” الركيزة الأساسية لأي استقلال وطني حقيقي في عالم تحكمه التدفقات العابرة للحدود.
وعند مقاربة المشهد الوجودي في الفضاء اللبناني، نجد أنفسنا أمام ظاهرة التكرار التي جعلت من الإنسان في هذه الجغرافيا شبيهاً بـ “سيزيف” في الأسطورة التاريخية، حيث يُدفع بصخرة الأزمات نحو قمة الخلاص، وما إن يقترب من ملامستها حتى تهوي به ثانية إلى قاع الانهيار، في دورة تستنزف الوعي الجمعي وتجعله عاجزاً عن اختراق جدار الزمن الرتيب. هذا العجز هو نتاج ارتهان العقل الاستراتيجي لذاكرة تستعيد الصراعات كأدوات للتعريف بالذات بدلاً من استثمارها كمختبر لإنتاج الحلول، مما يحوّل التاريخ من منصة للنهوض إلى عبء ثقيل يورث التباعد. إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل هو انكفاء للفكر النقدي أمام سطوة العقلية التقليدية التي ترى في التكرار أماناً وفي التغيير مغامرة، وهو ما أدى إلى حالة من الاعتياد على الأزمات جعلت من الإنسان كائناً يتعايش مع الواقع كجزء من تكوينه، غافلاً عن أن الزمن الحضاري المتسارع في الخارج لم يعد يسمح برفاهية الانتظار، وأن النظام العالمي الجديد قد يذهب نحو فرض واقع جديد يتجاوز القوانين المتعارف عليها.
إن كسر حلقة الانهيار يتطلب أولاً تحرير الذاكرة من قيودها وتحويلها إلى أداة تحليلية قادرة على تفكيك مسببات الفشل البنيوي، وذلك عبر بناء عقد فكري جديد يرى في التنوع اللبناني مصدر غنى وقوة لا مادة للتجاذب أو وسيلة لتعطيل المؤسسات. إن الحلول للأزمة العامة تكمن في الانتقال من الفلسفة السيزيفية التي تكرس المعاناة، إلى فلسفة الفعل التي تقوم على الحوار الخلاق والتنسيق الدائم بين جميع المكونات الوطنية، تعزيزاً للدولة وسيادتها بعيداً عن منطق التحدي أو الاتهام المتبادل. كما يتطلب الأمر تحويل مفهوم الانتشار البشري من خسارة وطنية إلى شبكة سيادة معرفية، تربط العقول في الاغتراب بشريان النهوض؛ فهذا العقل المبدع يمثل الكتلة الحيوية القادرة على كسر طوق العزلة من خلال الحضور المعرفي المؤثر الذي يرفد الوطن بالخبرات الاستراتيجية. أما فيما يخص مستقبل لبنان، فإن المخرج الوحيد يتمثل في استنهاض الهمة الوطنية لبناء دولة المواطنة التي تستثمر في الإنسان والعلم، وتؤمن بأن السيادة الحقيقية تبدأ من الداخل عبر التفاهم على ثوابت وطنية جامعة تحمي لبنان من تداعيات التحولات العالمية الكبرى. إن لبنان مطالب اليوم بأن يغادر حالة الانتظار، ليبدأ برسم خارطة طريقه بيده، مستنداً إلى إرثه وعقله المبدع، ليكون شريكاً فاعلاً في صناعة مستقبله، ومستنهضاً للهمة نحو ساعة إشراق تنبثق من رحم التوافق الوطني والعمل الدؤوب، بما يضمن له مكاناً تحت شمس النظام العالمي الجديد ككيان سيد، مستقر، ومنتج، لا تذروه رياح الصراعات ولا تبتلعه التوازنات الكبرى التي باتت تعتمد منطق الاستحواذ وتجاوز القيم الإنسانية.


