جريدة الحرة بيروت
خاص ـ أثار نموذج ذكاء اصطناعي جديد للبحث عن ثغرات البرمجيات جدلا واسعا، ويتساءل العديد من المسؤولين الآن عن دلالات ذلك على الأمن في البلاد. تثير أداة الذكاء الاصطناعي لكشف ثغرات البرمجيات، التي كشفت عنها شركة أنثروبيك الأمريكية خلال أبريل 2026 قلقا بالغا لدى المسؤولين في العديد من السلطات الألمانية.
فإلى جانب المخاوف من وقوع نموذج الذكاء الاصطناعي القوي في الأيدي الخطأ، ثمة مخاوف كذلك من أن تصبح الثغرات، كوسيلة للتحقيق في الاتصالات المشفرة كتلك التي يستخدمها الإرهابيون مثلا حكرا على بعض السلطات الأمريكية في المستقبل. ويتوخى المسؤولون الحذر في تعليقاتهم الرسمية بشأن التحديات والمخاطر المرتبطة ببرنامج Claude Mythos Preview.
اكتشاف الثغرات الأمنية يعد تطورا إيجابيا
“من المؤكد أن اكتشاف الثغرات الأمنية ومعالجتها بسرعة أكبر يعد تطورا إيجابيا”، هذا ما صرح به كارستن مايورث، رئيس قسم مكافحة الجرائم الإلكترونية في المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية (BKA)، ردا على استفسار. ومع ذلك، تظهر التجارب أن أساليب الجرائم الإلكترونية وأساليب الهجوم تتكيف بسرعة كبيرة مع أحدث التقنيات، ولا يمكن إيقاف هذا التطور بشكل أحادي.
يؤكد مايورث قائلا: “لذلك، سيظل الأمن السيبراني مهمة مشتركة في المستقبل، تتطلب تعاونا مستمرا بين مصنعي البرامج والمستخدمين ومقدمي خدمات الأمن الخاصة والسلطات”. وبصفتها الوكالة المركزية للشرطة الألمانية، تعمل الوكالة الفيدرالية للشرطة الجنائية (BKA) على تعزيز التعاون الوطني والدولي، بما في ذلك مع القطاع الخاص.
بحسب شركة أنثروبيك، نجح برنامج ميثوس في اكتشاف ثغرات أمنية في برامج حاسوبية متنوعة، بعضها ظل خفيا لعقود. لذا، قد يؤدي هذا النموذج الذكي، في حال وقوعه في الأيدي الخطأ، إلى تطوير أسلحة إلكترونية خطيرة. لا تعتزم أنثروبيك نشر ميثوس، وتمنح حاليا حق الوصول إليه لشركات ومنظمات مختارة لتتمكن من معالجة الثغرات في برامجها.
تتجلى حساسية الموضوع في رد وزارة المالية الاتحادية على سؤال حول كيفية تعاملها مع تطوير نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد الذي يحتمل أن يكون خطيرا. يقوم المركز الاتحادي لتكنولوجيا المعلومات (ITZ)، وهو المزود المركزي لخدمات تكنولوجيا المعلومات للإدارة الاتحادية، بتحليل الوضع بنشاط فيما يتعلق بثغرات البرمجيات.
وفي الوقت نفسه، طلبت وزارة المالية تفهم أنه “نظرا لحساسية الموضوع، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية علنا بشأن تفاصيل تحليلات الثغرات التي أجريت” والعمليات ذات الصلة.
تغيير جذري في مفهوم التهديدات السيبرانية
صرحت رئيسة المكتب الاتحادي لأمن المعلومات (BSI)، كلوديا بلاتنر، بعد فترة وجيزة من عرض Claude Mythos Preview أن المكتب الاتحادي لأمن المعلومات أخذ إعلانات Anthropic على محمل الجد وتوقع “اضطرابات في التعامل مع الثغرات الأمنية وفي مشهد الثغرات الأمنية ككل”.
منطقيا، قد يعني هذا أنه على المدى المتوسط، قد لا تبقى أي ثغرات أمنية برمجية تقليدية غير معروفة. “سيؤدي هذا إلى تحول في أساليب الهجوم وتغيير جذري في مفهوم التهديدات السيبرانية.” علاوة على ذلك، يثور التساؤل حول ما إذا كانت هذه الأدوات القوية ستظل متاحة في السوق المفتوحة، وإذا كان الأمر كذلك، فإلى متى. “وهذا بدوره يثير تساؤلات حول الأمن القومي والأوروبي والسيادة.”
تشير التطورات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الثغرات الأمنية إلى تحول عميق في بنية الأمن السيبراني خلال السنوات القادمة. فمن المرجح أن نشهد سباقا متسارعا بين أدوات الكشف والدفاع من جهة، وتقنيات الهجوم والاستغلال من جهة أخرى، في بيئة رقمية تزداد تعقيدا وتشابكا.
على المدى القريب، سيؤدي اعتماد نماذج متقدمة إلى تقليص الزمن اللازم لاكتشاف الثغرات ومعالجتها، وهو ما يعزز من مستوى الأمان العام للأنظمة. لكن في المقابل، فإن نفس هذه القدرات قد تتيح لجهات خبيثة تطوير هجمات أكثر دقة وسرعة، خاصة إذا تمكنت من الوصول إلى نماذج مماثلة أو تسريب نتائجها. هذا التوازن الهش بين الحماية والتهديد سيبقى سمة رئيسية للمرحلة القادمة.
أما على المدى المتوسط، فمن المتوقع أن تتغير طبيعة الثغرات نفسها، حيث ستتراجع الثغرات التقليدية لصالح أنماط أكثر تعقيدا ترتبط بسلوك الأنظمة الذكية وتفاعلها مع البيانات. وقد يصبح التركيز أكبر على استغلال نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتها، سواء عبر التلاعب بمدخلاتها أو التأثير على مخرجاتها، مما يفتح مجالا جديدا لما يمكن تسميته “ثغرات الذكاء الاصطناعي”.
على المستوى الاستراتيجي، ستزداد حساسية مسألة السيادة الرقمية، إذ قد تسعى الدول إلى تطوير أو احتكار أدوات متقدمة للكشف عن الثغرات، باعتبارها أصولا أمنية ذات قيمة عالية. هذا قد يؤدي إلى انقسام في الفضاء السيبراني العالمي، بين تكتلات تمتلك هذه القدرات وأخرى تعتمد عليها.
يحمل المستقبل فرصا كبيرة لتعزيز الأمن، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات غير مسبوقة. وسيكون العامل الحاسم هو القدرة على بناء منظومات تعاون دولي مرنة، إلى جانب تطوير أطر تنظيمية توازن بين الابتكار والحماية.


