الأكثر قراءة

ألمانيا، روسيا تجني مليارات الدولارات من أزمة مضيق هرمز

جريدة الحرة

خاص ـ تستفيد روسيا من حالة الجمود في مضيق هرمز، وفقا لحسابات الغرفة التجارية الألمانية الروسية في موسكو. وبينما تربح روسيا، يتعين على ألمانيا، من جانبها، أن تتوقع ارتفاعا في فواتير استيراد النفط.

في البداية، كانت هناك مخاوف من تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا بسبب أزمة النفط الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، ولكن هناك يقين: وفقا لحسابات غرفة التجارة الألمانية الروسية، فإن روسيا تحقق إيرادات إضافية تبلغ عدة مليارات شهريا.

حتى قبل بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022، كانت روسيا تصدر كميات كبيرة من النفط والغاز والأسمدة. وكعقوبات على الحرب المستمرة، خفضت دول أوروبية عديدة، وفي نهاية المطاف الاتحاد الأوروبي نفسه، وارداتها من الموارد الروسية أو أوقفتها تماما.

روسيا هي الرابح الأكبر في الحرب

يمر ما يقارب خُمس احتياطيات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق في منطقة الخليج، لتكون متاحة لألمانيا وأوروبا. ومن خلال الحرب في إيران وما تلاها من إغلاق مضيق هرمز كوسيلة ضغط، تستفيد روسيا كذلك بشكل غير مباشر من هذه الحرب.

“إننا نشهد أخطر أزمة طاقة أحفورية في عصرنا”، كما أوضحت كلوديا كيمفرت، الخبيرة الاقتصادية في مجال الطاقة ورئيسة قسم الطاقة والنقل والبيئة في المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية (DIW Berlin).

بحسب الغرفة التجارية، بلغت أرباح روسيا أكثر من عشرة مليارات يورو شهريا. وتصدر روسيا الغاز والنفط والأسمدة بكميات كبيرة. وصرح ماتياس شيب، رئيس الغرفة، لوكالة الأنباء الألمانية: “إن روسيا هي الرابح الأكبر في الحرب الجديدة في الشرق الأوسط”.

تحدث شيب عن “أبعاد تاريخية” فيما يتعلق بالأرباح المحتملة لروسيا. ووفقا له، تتوقع روسيا فائضا قدره 71.8 مليار دولار (62.1 مليار يورو) مقارنة بميزانيتها إذا بقي سعر النفط عند مستواه الحالي البالغ حوالي 100 دولار.

وقد أفادت بذلك عدة تقارير في أبريل 2026. ارتفع سعر خام برنت للتسليم في يونيو إلى أكثر من 111 دولارا للبرميل (159 لترا). ويبلغ فرق السعر مقارنة ببداية الحرب حوالي 40 دولارا.

وأضافت الغرفة: “بالأسعار الحالية، يمكن لموسكو أن تجني نحو 50 مليار دولار من الإيرادات الإضافية سنويا من النفط والغاز وحدهما”. وتنص الميزانية الحالية على سعر 59 دولارا للبرميل، نظرا لاعتمادها على مبيعات النفط والغاز.

ألمانيا تأثرت بشدة

بحسب حسابات الغرفة التجارية، يؤدي إغلاق مضيق هرمز كذلك إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة لألمانيا. وقد ترتفع واردات النفط الألمانية، بسعر 100 دولار للبرميل، إلى أكثر من 60 مليون يورو. لذا، تلوح في الأفق صدمة مماثلة في أسعار الغاز.

ويخشى خبراء الطاقة في الغرفة التجارية من تداعيات ذلك على الوضع الاقتصادي الألماني المتأزم أصلا. وبالتالي، قد يكون الانتعاش المتوقع أقل وضوحا.

يقول كيمفرت من معهد DIW برلين: “هذه صدمة متعددة ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والغاز والغذاء، تكشف بلا هوادة عن هشاشة نظامنا. إذا فشلت طرق الإمداد الرئيسية وانهارت أحجام الإنتاج، فإن الاقتصاد العالمي سيتأرجح على حافة الهاوية”.

نظرا لاستخدام أرباح بيع المواد الخام في روسيا لتمويل آلة الحرب الروسية في حرب أوكرانيا، فرضت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا. ووفقا لتقرير صادر عن مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA)، فقد حققت روسيا 193 مليار يورو من صادرات الوقود الأحفوري في السنة الرابعة من الغزو الشامل، أي أقل بنسبة 27% مما كانت عليه قبل الحرب.

صادرات من الوقود الأحفوري بقيمة تزيد عن تريليون يورو

بعد أربع سنوات من بدء الحرب في أوكرانيا، جنى الكرملين أكثر من تريليون يورو من تصدير الوقود الأحفوري، مما ساهم في تمويل آلة الحرب الروسية. وقد حدث هذا على الرغم من هدف أوروبا المعلن بإنهاء اعتمادها على الطاقة الروسية، وعلى الرغم من العقوبات الجديدة التي غيرت سوق النفط العالمية.

لا يزال النفط الخام أكبر مصدر لإيرادات الصادرات الروسية. ويحلل تقرير مركز أبحاث الطاقة المتجددة (CREA) كيف تحد العقوبات من الإيرادات في مجموعات سلعية وأسواق محددة. “في السنة الرابعة من الغزو الشامل، انقلب دور روسيا في سوق الغاز الأوروبية: فقد انتهت معظم عمليات تسليم خطوط الأنابيب مع إغلاق خط العبور الأوكراني، مما جعل الغاز الطبيعي المسال هو الطريق الرئيسي لموسكو إلى الاتحاد الأوروبي”، كما قال بيتراس كاتينس، المحلل في CREA.

وصف رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي قرار الرئيس دونالد ترامب برفع العقوبات المفروضة على النفط الروسي بأنه يغذي آلة الحرب ضد أوكرانيا، في حين تحاول واشنطن خفض أسعار الطاقة بعد بدء الصراع في الشرق الأوسط.

تشير التطورات المرتبطة بأزمة مضيق هرمز إلى احتمال دخول سوق الطاقة العالمية مرحلة أكثر اضطرابا، تتسم بتقلبات حادة في الأسعار وإعادة رسم خرائط الإمداد. وفي هذا السياق، يبدو أن روسيا مرشحة للاستفادة على المدى القصير، إذ تمنحها الأسعار المرتفعة قدرة أكبر على تعويض آثار العقوبات وتعزيز إيراداتها، مما يطيل من قدرتها على تمويل سياساتها الخارجية، خاصة في أوكرانيا.

على المدى المتوسط، قد تؤدي هذه الأزمة إلى تسريع التحولات الجارية في بنية سوق الطاقة العالمية. فمن جهة، ستسعى الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، إلى تقليل اعتمادها على الممرات الجيوسياسية الحساسة مثل مضيق هرمز، عبر تنويع مصادر الاستيراد وزيادة الاستثمار في الطاقات المتجددة والبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال. ومن جهة أخرى، قد تتجه الدول المنتجة خارج منطقة الخليج إلى زيادة حصصها السوقية، مستفيدة من أي اختناقات مستمرة في الإمدادات.

مع ذلك، فإن المكاسب الروسية قد لا تكون مستدامة. فاستمرار الأسعار المرتفعة قد يدفع الاقتصادات الكبرى إلى تسريع التحول الطاقي وتقليل الطلب على الوقود الأحفوري، ما يضعف على المدى البعيد أحد أهم مصادر الدخل الروسي. كما أن أي انفراج في التوترات الجيوسياسية أو إعادة فتح الممرات البحرية سيؤدي إلى تراجع الأسعار وتقليص هذه الأرباح الاستثنائية.

في المقابل، يظل الخطر الأكبر متمثلا في احتمالية تحول الأزمة إلى صدمة طاقة عالمية شاملة، خاصة إذا ترافقت مع اضطرابات في الإنتاج أو توسع نطاق الصراع في الشرق الأوسط. حينها، قد يواجه الاقتصاد العالمي موجة تضخمية جديدة وتباطؤا في النمو.

تكشف أزمة هرمز عن هشاشة النظام الطاقي العالمي، وتؤكد أن الصراعات الجيوسياسية ستظل عاملا حاسما في تحديد اتجاهات الأسواق خلال السنوات المقبلة.

 

الأكثر قراءة