جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
خاص ـ حذّر وزير الخارجية الألماني يوهان واديفول من خطورة انزلاق الأوضاع في لبنان نحو مواجهة عسكرية واسعة، في ظل التوتر المتصاعد بين إسرائيل وحزب الله المدعوم من إيران. وأكد أن أي تصعيد عسكري جديد لن يكون مجرد مواجهة بين أطراف مسلحة، بل سيحمل تداعيات إنسانية خطيرة على المدنيين اللبنانيين، الذين يعانون بالفعل من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة.
وشدد على ضرورة تجنب تحويل لبنان إلى ساحة حرب مفتوحة، محذرًا من أن تكرار سيناريوهات الدمار السابقة لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها.
لبنان تواجه خطرًا حقيقيًا
وأشار واديفول إلى أن الأجيال الشابة في لبنان تواجه خطرًا حقيقيًا يتمثل في نشأتها وسط الدمار والانهيار، وهو ما ينعكس سلبًا على مستقبل البلاد واستقرارها. وأوضح أن نشوء الشباب في بيئة يغلب عليها العنف والفقر وانعدام الفرص قد يؤدي إلى نتائج كارثية على المدى الطويل، ليس فقط داخل لبنان، بل في المنطقة ككل.
وأضاف أن الأمن لا يمكن تحقيقه عبر تدمير المجتمعات، بل من خلال دعم الاستقرار والتنمية، مؤكدًا أن تحويل لبنان إلى ساحة صراع لن يجعل جوار إسرائيل أكثر أمنًا، بل سيزيد من تعقيد التحديات الأمنية.
هجمات حزب الله تسهم في تأجيج الصراع
أدان وزير الخارجية الألماني الهجمات التي ينفذها حزب الله ضد إسرائيل بأشد العبارات، معتبرًا أنها تسهم في تأجيج الصراع وتدفع نحو مزيد من التصعيد. ودعا الحكومة اللبنانية، رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا في النزاع، إلى اتخاذ خطوات حاسمة لكبح جماح حزب الله ومنع استخدامه الأراضي اللبنانية كمنصة لشن هجمات. ويعكس هذا الموقف رغبة ألمانية في تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية جزئية عن ضبط الوضع الأمني داخل حدودها، في ظل تزايد الضغوط الدولية لمنع توسع رقعة الصراع.
أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن إسرائيل تتعامل بجدية مع المفاوضات الجارية مع لبنان، في محاولة لاحتواء التوترات القائمة. لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أن سكان شمال إسرائيل يعيشون في ظروف صعبة نتيجة الهجمات المستمرة، واصفًا الوضع بأنه “غير قابل للتحمل”. وأضاف أن حزب الله يتحمل مسؤولية المعاناة على جانبي الحدود، في إشارة إلى أن التصعيد لا يضر بإسرائيل وحدها، بل ينعكس أيضًا على المدنيين في لبنان.
شدد ساعر على أن إسرائيل لا تسعى إلى تحقيق أي مكاسب إقليمية في لبنان، مؤكدًا أن وجودها العسكري في جنوب لبنان يقتصر على حماية مواطنيها وضمان أمنهم. ويأتي هذا التصريح في إطار محاولة طمأنة المجتمع الدولي بأن التحركات الإسرائيلية لا تهدف إلى تغيير الحدود أو فرض واقع جغرافي جديد، بل تندرج ضمن سياق الدفاع عن النفس. ومع ذلك، يبقى هذا الطرح محل جدل في الأوساط السياسية، خاصة في ظل تجارب سابقة شهدت تصعيدًا واسع النطاق في المنطقة.
الاهتمام بالوضع الإنساني في قطاع غزة
دعا واديفول إلى عدم إغفال الوضع الإنساني في قطاع غزة، مؤكدًا أن التركيز على الصراع مع إيران لا ينبغي أن يأتي على حساب الأوضاع المتدهورة هناك. وأشار إلى الحاجة الملحة لتحسين تدفق المساعدات الإنسانية، خاصة في ظل القيود المفروضة على دخول الإمدادات الأساسية.
وطالب إسرائيل باتخاذ خطوات عملية لتسهيل عمل منظمات الإغاثة، بما في ذلك رفع القيود المفروضة على استيراد المعدات والمواد الضرورية. وأكد واديفول أن استقرار غزة لا يخدم فقط سكان القطاع، بل يساهم كذلك في تعزيز أمن إسرائيل على المدى الطويل. وأوضح أن استمرار التدهور الإنساني قد يؤدي إلى مزيد من التوتر والعنف، مما يخلق بيئة خصبة للتصعيد. ومن هنا، فإن تحسين الظروف المعيشية في غزة يعد جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية تهدف إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة.
يُذكر أن وقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل لا يزال ساري المفعول منذ أكثر من ستة أشهر، وهو ما يوفر فرصة مهمة لتعزيز الجهود الإنسانية وإعادة الإعمار. إلا أن هذا الهدوء يبقى هشًا، في ظل استمرار التوترات السياسية والأمنية، ما يتطلب جهودًا دولية مكثفة للحفاظ عليه ومنع انهياره.
شراكة أمنية بين ألمانيا وإسرائيل
على صعيد العلاقات الثنائية، أكد وزيرا خارجية ألمانيا وإسرائيل وجود شراكة أمنية جديدة بين البلدين، تعكس مستوى متقدمًا من التعاون الاستراتيجي. وأوضح واديفول أن الدفاع عن وجود إسرائيل وأمنها يمثل ركيزة أساسية في العلاقات بين البلدين، مشيرًا إلى أن هذا الالتزام لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد ليشمل مجالات عسكرية وتقنية متقدمة.
وفي هذا الإطار، يُعد اقتناء ألمانيا لمنظومة الدفاع الجوي آرو 3 مثالًا بارزًا على هذا التعاون، حيث تعكس هذه الصفقة ثقة برلين في القدرات التكنولوجية الإسرائيلية. وتوفر هذه المنظومة قدرات متقدمة في مجال الدفاع الصاروخي، ما يعزز من قدرة ألمانيا على حماية أراضيها من التهديدات الجوية.
أكد ساعر أن التكنولوجيا الإسرائيلية تلعب دورًا مهمًا في تعزيز الأمن الألماني، سواء في الجو أو البر أو البحر. وأشار إلى أن إسرائيل تمتلك خبرات واسعة في مجالات الأمن والدفاع، ما يجعلها شريكًا موثوقًا في مواجهة التحديات المشتركة. كما لفت إلى أهمية التعاون الاستخباراتي بين البلدين، والذي يسهم في إحباط الهجمات الإرهابية وحماية أرواح المدنيين. أعرب ساعر عن قلقه إزاء تصاعد مظاهر معاداة السامية في ألمانيا وأوروبا، مشيرًا إلى حوادث اعتداء جديدة استهدفت يهودًا في مدن مثل ميونيخ وشتوتغارت. واعتبر أن عودة هذه الظاهرة تمثل تحديًا خطيرًا للقيم الديمقراطية، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات حازمة لمواجهتها.
وأكد أن مكافحة معاداة السامية يجب أن تكون أولوية قصوى للحكومات الأوروبية، ليس فقط لحماية الجاليات اليهودية، بل للحفاظ على مبادئ التعددية والتسامح التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية. وشدد على ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي، وتطوير برامج تعليمية تهدف إلى التصدي للأفكار المتطرفة، إلى جانب تطبيق القوانين بشكل صارم ضد مرتكبي جرائم الكراهية.
تعكس هذه التصريحات تداخل الأبعاد الأمنية والإنسانية والسياسية في المشهد الإقليمي، حيث تتقاطع مصالح الدول مع التحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة. وبين الدعوات إلى التهدئة والتحذيرات من التصعيد، يبقى مستقبل الاستقرار مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على تبني حلول متوازنة تراعي أمن الدول وحقوق الشعوب في آن واحد.


