جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ بلغ استياء الألمان من عمل المستشار الألماني فريدريش ميرتس على خلفية ارتفاع أسعار الوقود مستوى قياسيا جديدا (70%)، وفق نتائج استطلاع أجراه معهد INSA للاجتماعيات.
وأعطى 21% فقط من المستطلَع موقفهم تقييما إيجابيا لعمل رئيس الحكومة – وهو رقم منخفض قياسي بالمطلق. ولم يتمكن 9% آخرون من تحديد إجابتهم. بينما بلغ عدد الألمان الأكثر استياء من عمل الحكومة الحالية 73% وهم غير راضين عن نشاط الحكومة المكونة من كتلة الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني.
وليس هناك سوى 20% فقط يقيمونها بشكل إيجابي، و7% لم يحددوا موقفهم. أجري الاستطلاع في 9-10 أبريل، وشارك فيه 1,003 أشخاص. وخلص مدير معهد INSA هيرمان بينكرت إلى أن “حتى مؤيدي الأحزاب الحكومية غير راضين في الغالب عن الحكومة”. وأضاف الخبير: “من غير المرجح أن يتمكن المستشار والائتلاف من تغيير هذا الاتجاه من حيث المبدأ”.
في تصنيف الأحزاب السياسية، يحتل حزب “البديل من أجل ألمانيا” المرتبة الأولى بنسبة 26%. كتلة الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي في المرتبة الثانية، وهناك 25% من المستجيبين مستعدون للتصويت لها. والمرتبة الثالثة يحتلها الديمقراطيون الاجتماعيون بنسبة 14%، يليهم حزب الخضر بنسبة 13% وحزب اليسار بنسبة 10%. الأحزاب الأخرى لن تتمكن من تجاوز حاجز الخمسة بالمائة المطلوب لدخول البوندستاغ. وقد أجري هذا الاستطلاع في الفترة من 7 إلى 10 أبريل، وشارك فيه 1,205 أشخاص.
يأتي تدهور شعبية ميرتس وحكومته في وقت تواجه فيه ألمانيا أزمة طاقة حادة نتيجة التوقف شبه الكامل للملاحة في مضيق هرمز بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الوقود والطاقة في معظم دول العالم، وفشلت الحكومة الألمانية حتى الآن في تقديم خطة فعالة لاحتواء تداعيات الأزمة على المستهلكين والصناعة. ويُعد هذا الاستطلاع الأحدث في سلسلة المؤشرات المتراجعة لشعبية الائتلاف الحاكم منذ توليه السلطة، وسط تنامي نفوذ حزب “البديل من أجل ألمانيا” المعارض.
علاوة على ذلك، يرى مراقبون أن الصعود الملحوظ لحزب “البديل من أجل ألمانيا” وتصدره الاستطلاعات يعكس حالة من الانقسام العميق داخل الشارع الألماني، حيث ينجح الحزب في استقطاب الفئات المتضررة من السياسات الاقتصادية الحالية عبر خطاب يركز على السيادة الوطنية وانتقاد الانخراط العسكري والسياسي في الصراعات الخارجية. هذا التحول في موازين القوى يضع ضغوطاً هائلة على كتلتي الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي، اللتين باتتا تجدان صعوبة في الحفاظ على قواعدهما التقليدية أمام وعود المعارضة بتقديم حلول جذرية لأزمة الطاقة وتكاليف المعيشة.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تتزايد التحذيرات من أن استمرار العجز الحكومي عن إيجاد بدائل مستقرة لإمدادات الطاقة قد يؤدي إلى ركود اقتصادي طويل الأمد يضرب العمود الفقري للصناعة الألمانية. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن المستشار ميرتس يواجه اختباراً مصيرياً؛ فإما المخاطرة بتفكك الائتلاف الحاكم تحت وطأة الضغوط الشعبية، أو المضي قدماً في إصلاحات اقتصادية وهيكلية مؤلمة قد تكون مقامرة سياسية غير مأمونة النتائج في ظل توتر إقليمي ودولي لا تبدو نهايته قريبة.
وعلى الصعيد الاجتماعي، بدأت ملامح أزمة ثقة تتشكل بين المواطن ومؤسسات الدولة، حيث يتجاوز الاستياء مجرد الأرقام في استطلاعات الرأي ليتحول إلى حركات احتجاجية ونقابية بدأت تلوح في الأفق. فالمواطن الألماني الذي اعتاد على استقرار سلاسل التوريد وتوفر الطاقة بأسعار معقولة، يجد نفسه اليوم أمام واقع جيوسياسي يفرض عليه تقديم تضحيات معيشية كبرى لم تكن في الحسبان. هذا المناخ من القلق العام يوفر بيئة خصيبة لتعزيز الاستقطاب السياسي، مما يجعل مهمة الحكومة في صياغة خطاب وطني موحد أمراً غاية في الصعوبة، ويدفع بالبلاد نحو مرحلة من عدم اليقين السياسي قد تعيد رسم الخارطة الحزبية في ألمانيا لسنوات طويلة قادمة.


