جريدة الحرة بيروت
خاص ـ أدخل مؤتمر وزراء الداخلية في الولايات الألمانية تعديلاً على آلية اتخاذ القرار، بعدما تخلى عن مبدأ الإجماع الذي ظل معمولاً به لسنوات، واعتمد بدلاً منه قاعدة الأغلبية المؤهلة. ويأتي التغيير في وقت يتزايد فيه حضور حزب «البديل من أجل ألمانيا» في الانتخابات الإقليمية، وسط نقاش سياسي حول احتمال مشاركته في حكومات بعض الولايات مستقبلاً.
وبحسب وكالة الأنباء الألمانية، جرى اعتماد القرار قبل أيام عبر تصويت كتابي، بحيث بات تمرير القرارات داخل مؤتمر وزراء الداخلية يتطلب 13 صوتاً على الأقل من أصل 16 صوتاً يمثلون وزراء الداخلية أو أعضاء مجالس الشيوخ المختصين بهذا الملف في الولايات. وكان المؤتمر يعتمد في السابق على الإجماع في اتخاذ قراراته، مع إمكانية الامتناع عن التصويت. ولم تكن هذه القاعدة منصوصاً عليها في قانون أو لائحة رسمية، إذ لا توجد قواعد إجرائية رسمية تحكم عمل المؤتمر بهذا الشكل، وإنما استندت إلى ممارسة مستقرة بين أعضائه على مدى سنوات.
قاعدة جديدة في مؤسسة تنسيقية
يضم مؤتمر وزراء الداخلية وزراء وأعضاء مجالس الشيوخ المسؤولين عن وزارات الداخلية في الولايات الألمانية، ويؤدي دوراً تنسيقياً في القضايا المرتبطة بالأمن والسياسة الداخلية، إلى جانب تبادل المواقف واتخاذ قرارات مشتركة. ويشارك وزير الداخلية الاتحادي في اجتماعات المؤتمر بصفة ضيف دائم، مع حقه في التحدث وتقديم المقترحات، لكنه لا يملك حق التصويت. ويعكس ذلك الطبيعة الفيدرالية للمؤتمر، الذي يقوم أساساً على التنسيق بين حكومات الولايات، وليس على تبعية مباشرة للحكومة الاتحادية.
ولا يعني الانتقال إلى الأغلبية المؤهلة بالضرورة التخلي عن البحث عن التوافق، إذ إن اشتراط الحصول على 13 صوتاً من أصل 16 يبقي الحاجة إلى قدر كبير من التفاهم بين الولايات. الجديد يتمثل أساساً في أن عدم موافقة جميع الأعضاء لم يعد كافياً بمفرده لمنع صدور القرار.
انتخابات ساكسونيا-أنهالت تعيد النقاش
ازدادت حساسية النقاش حول هذه الخطوة بعد الانتخابات الأخيرة لبرلمان ولاية ساكسونيا-أنهالت في السادس من سبتمبر، والتي حصل خلالها حزب «البديل من أجل ألمانيا» على 43.8% من الأصوات. وتكتسب النتيجة أهمية في سياق النقاش حول مستقبل التمثيل السياسي للحزب على مستوى الولايات، خصوصاً مع استمرار الجدل في ألمانيا بشأن مشاركته في تشكيل الحكومات الإقليمية. ومن بين الأسئلة المطروحة مدى تأثير تغير تركيبة الحكومات المحلية مستقبلاً على المؤسسات التي تعتمد على التنسيق بين الولايات، ومنها مؤتمر وزراء الداخلية.
وفي هذا السياق، ارتبط النقاش حول تغيير قواعد التصويت بمخاوف من احتمال وصول ممثلين عن الحزب إلى مواقع حكومية في بعض الولايات. ولا يعني ذلك بالضرورة أن التعديل سيقود إلى نتيجة سياسية محددة، لكنه يأتي في وقت تشهد فيه الخريطة الحزبية داخل عدد من الولايات تغيرات واضحة مقارنة بالسنوات السابقة.
ماذا يعني التخلي عن الإجماع؟
يمنح النظام الجديد المؤتمر قدرة أكبر على اتخاذ القرارات عندما يتعذر الوصول إلى إجماع كامل، مع الإبقاء على عتبة مرتفعة نسبياً للموافقة. وقد يخفف ذلك، من الناحية الإجرائية، من احتمال بقاء بعض القرارات معلقة بسبب موقف ولاية واحدة أو عدد محدود من الولايات. لكن طبيعة عمل المؤتمر تجعل التوافق بين أعضائه مهماً حتى في ظل قاعدة التصويت الجديدة. فوزراء الداخلية يتعاملون مع ملفات تتطلب في كثير من الأحيان تنسيقاً بين الولايات، ولذلك قد تبقى المفاوضات والتفاهمات المسبقة جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار، بصرف النظر عن القاعدة التي تحسم التصويت النهائي.
كما أن أثر التعديل سيعتمد إلى حد كبير على كيفية تطبيقه في القضايا المقبلة، وعلى طبيعة الخلافات التي يمكن أن تظهر بين الولايات. لذلك من المبكر اعتبار تغيير آلية التصويت تحولاً شاملاً في طريقة عمل المؤتمر، خصوصاً أن القرار لا يغير طبيعة المؤسسة أو صلاحياتها، وإنما يبدل القاعدة التي تحكم إقرار قراراتها.
اختبار في ظل تغير المشهد السياسي
يأتي هذا التطور في مرحلة تشهد فيها السياسة الإقليمية الألمانية تغيرات ملحوظة، مع تقدم «البديل من أجل ألمانيا» في عدد من الاستحقاقات الانتخابية، وما يرافق ذلك من نقاش حول إمكانية وصول الحزب إلى مواقع تنفيذية في الولايات. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تعديل قاعدة التصويت باعتباره خطوة احترازية في مواجهة احتمال تغير تركيبة المشاركين في المؤتمر، لكن تحديد دوافع القرار بدقة يتطلب الفصل بين السياق السياسي الذي أحاط به وبين الأسباب الإجرائية التي استند إليها. كما أن النتائج الفعلية للتغيير لن تتضح إلا مع اختبار القاعدة الجديدة في قرارات ومواقف مستقبلية.
ويبقى السؤال المطروح حول ما إذا كانت الأغلبية المؤهلة ستنجح في الحفاظ على قدرة المؤتمر على اتخاذ قرارات مشتركة مع استمرار التغيرات السياسية داخل الولايات، أم أن الخلافات ستظل تدفع الأعضاء إلى البحث عن التوافق قبل اللجوء إلى التصويت. وفي كلتا الحالتين، تبدو قاعدة التصويت الجديدة مؤشراً على محاولة التكيف مع بيئة سياسية أكثر تعقيداً، من دون أن يكون من الممكن حتى الآن تحديد مسار تأثيرها على عمل المؤتمر بصورة نهائية.


