جريدة الحرة بيروت
خاص ـ شهدت منطقة الشرق الأوسط منعطفاً ميدانياً خطيراً إثر قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بشن عمليات عسكرية واسعة النطاق استهدفت مواقع داخل إيران. وجاء الرد من جانب طهران سريعاً عبر هجمات مضادة استهدفت العمق الإسرائيلي وقواعد عسكرية أمريكية في دول خليجية عدة، مما أدى إلى كسر قواعد الاشتباك التقليدية وتحول الصراع إلى مواجهة علنية ومباشرة تضع استقرار المنطقة والعالم على المحك.
برلين تدين السلوك الإيراني وتدعو لوقف التصعيد
في ظل هذا التوتر، برز موقف الحكومة الألمانية عبر تصريحات حازمة للمستشار فريدريش ميرز (من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي)، الذي أدان بشدة نهج القيادة الإيرانية سواء على المستوى الإقليمي أو في التعامل مع الوضع الداخلي. ووجهت الحكومة الفيدرالية دعوة صريحة لطهران بضرورة الوقف الفوري لكافة الهجمات العسكرية الموجهة ضد إسرائيل والشركاء الإقليميين، معتبرة أن هذه الأنشطة المزعزعة للاستقرار يجب أن تنتهي، بالتوازي مع إنهاء العنف الممارس ضد الشعب الإيراني في الداخل.
المسار الدبلوماسي المتعثر وخيار المفاوضات
رغم لغة الحسم العسكري المتبادلة، شدد المستشار ميرز على أن ألمانيا تدعم استئناف الجهود الرامية للتوصل إلى حل تفاوضي كسبيل وحيد لتقويض المخاطر الأمنية. وتأتي هذه الدعوة في وقت يواجه فيه المسار السياسي طريقاً مسدوداً، حيث تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة سعت لأسابيع للوصول إلى صيغة اتفاق، إلا أن طهران لم توافق حتى الآن على اتفاق “شامل وموثوق وقابل للتحقق” يضمن إنهاء برنامجها النووي العسكري، وهو ما يراه الجانب الألماني العقبة الأساسية أمام التهدئة.
صراع الإرادات بين القوة والدبلوماسية
يعكس المشهد الحالي حالة من الاستقطاب الحاد؛ حيث تبدو الضربات العسكرية المتبادلة وكأنها محاولة من كل طرف لفرض شروط تفاوضية جديدة بالقوة. الموقف الألماني يجسد القلق الأوروبي من خروج الصراع عن السيطرة، إذ تحاول برلين الموازنة بين دعم أمن شركائها الاستراتيجيين وبين الإصرار على الحل السياسي لتجنب حرب إقليمية واسعة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
إن إصرار ألمانيا على “اتفاق موثوق وقابل للتحقق” يعكس جوهر الأزمة؛ فبدون ضمانات تقنية وسياسية واضحة بشأن الملف النووي الإيراني، سيبقى الخيار العسكري هو الأداة المفضلة لدى الأطراف المتصارعة لملء الفراغ الدبلوماسي. وفي ظل الهجمات التي طالت القواعد الأمريكية في الخليج، يبدو أن المنطقة أمام اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على تحويل هذا الصدام العسكري إلى ضغط سياسي منتج يمنع الانهيار الشامل، خاصة وأن استمرار المواجهة يعني الدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد ستكون تكلفتها الاقتصادية والأمنية باهظة على جميع الأطراف دون استثناء.
تداعيات الموقف الألماني على التوازنات الإقليمية
تكتسب التحذيرات الألمانية الأخيرة أهمية مضاعفة كونها تمثل تحولاً في المقاربة الأوروبية تجاه أزمات الشرق الأوسط؛ فبرلين لم تعد تكتفي بالدعوات التقليدية لضبط النفس، بل باتت تربط بشكل مباشر بين استقرار المنطقة وبين ضرورة تقديم إيران لضمانات “قابلة للتحقق” بشأن برنامجها النووي. هذا الموقف يضع طهران أمام ضغط دولي متزايد، حيث تلتقي الرؤية الألمانية مع المطالب الأمريكية بضرورة وجود إطار اتفاق شامل لا يقبل التأويل. ومن الناحية الجيوسياسية، فإن مطالبة المستشار ميرز بإنهاء الأنشطة المزعزعة للاستقرار في المنطقة وخارجها، تشير إلى قلق أوروبي عميق من تمدد الصراع ليطال ممرات التجارة الدولية وأمن الطاقة، وهو ما يدفع ألمانيا لمحاولة استعادة زمام المبادرة الدبلوماسية لمنع تحول المواجهات الصاروخية المتبادلة إلى واقع مفروض يصعب التراجع عنه.


