جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
شهد حزب البديل من أجل ألمانيا خلال الأعوام الأخيرة صعودًا لافتًا في المشهد السياسي، مستفيدًا من تصاعد المخاوف المرتبطة بالهجرة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية. ومع تحقيقه نتائج قياسية في استطلاعات الرأي وتقدمه في عدد من الولايات الشرقية، بات الحزب لاعبًا رئيسيًا في السياسة الألمانية، ما أعاد الجدل حول مستقبل “جدار الحماية” وإمكانية إشراكه في السلطة.
شكوك حول جدار الحماية
حال “جدار الحماية” دون دخول الأحزاب التقليدية في تعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي يُصنَّف بعض أجنحته على أنها يمينية متطرفة. إلا أن هذا التوافق لم يعد محل إجماع، لا في الأوساط السياسية ولا بين المواطنين.
ويبدو أن السؤال سيصبح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى في المستقبل القريب: كيف ينبغي التعامل مع الحزب؟. فخلال العام 2026 تُجرى انتخابات برلمانات الولايات في شرق ألمانيا، وقد يصبح حزب البديل من أجل ألمانيا القوة السياسية الأكبر في ولايتين. ففي ولاية ساكسونيا أنهالت، يتصدر مرشح الحزب الرئيسي أولريش زيغموند استطلاعات الرأي بنحو 41%، بينما يتقدم مرشح الحزب الرئيسي لايف إريك هولم في ولاية مكلنبورغ فوربومرن بنسبة تقارب 36%.
لكن، وكما أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة “فورسا” بتكليف من مجلة “شتيرن” وقناة “RTL”، فإن 58% من الألمان يرفضون تشكيل ائتلافات مع حزب البديل من أجل ألمانيا. في المقابل، يؤيد 39% تخفيف ما يُعرف بـ”جدار الحماية”. بينما لم يحدد 3% موقفهم من هذا السؤال.
ألمانيا منقسمة بوضوح بشأن حزب البديل
هذا يعني أن “جدار الحماية” لا يزال قائمًا، لكنه أصبح أكثر هشاشة. ففي يونيو من العام 2023، كان 73% من الألمان لا يزالون يرفضون الائتلافات مع حزب البديل من أجل ألمانيا، بينما لم يؤيد التعاون معه في ذلك الوقت سوى 22%. وبذلك، تمكن الحزب خلال الأعوام الثلاثة الماضية من مضاعفة مستوى التأييد تقريبًا في هذه القضية.
ومن اللافت كذلك توزيع المواقف المؤيدة للحزب بين غرب ألمانيا وشرقها. ففي غرب ألمانيا، تعارض أغلبية واضحة تبلغ 61% تشكيل حكومات على مستوى الولايات تضم حزب البديل من أجل ألمانيا، بينما ترى أغلبية ضئيلة في شرق البلاد الأمر بصورة مختلفة.
إذ يقول 53% هناك إن الأحزاب الأخرى ينبغي لها مستقبلًا الدخول في ائتلافات حكومية مع حزب البديل من أجل ألمانيا. من بين أنصار حزب البديل من أجل ألمانيا، يرى 91% حاليًا أن الأحزاب الأخرى ينبغي أن تتعاون سياسيًا مع حزبهم. أما أنصار جميع الأحزاب الأخرى الممثلة في البرلمان الاتحادي، فإن أغلبية كبيرة منهم ترفض تشكيل ائتلافات مع حزب البديل من أجل ألمانيا.
منع حزب البديل من الوصول إلى المعلومات السرية
يريد وزير الدفاع الاتحادي بوريس بيستوريوس من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (SPD) منع حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) من الوصول إلى المعلومات السرية في حال مشاركته في الحكومة. وبرر ذلك بقرب الحزب من روسيا. وأجاب وزير الدفاع الاتحادي ردًا على سؤال عما إذا كانت ستكون هناك عواقب على مواقع الجيش الألماني في الولايات التي يحكمها حزب البديل من أجل ألمانيا: “إن القرب من بوتين لا يمكن تجاهله.
كما أن الشبهة بوجود أموال قادمة من روسيا ما تزال قائمة”. وشدد السياسي المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي على أنه لا يجوز أن تقع المعلومات الحساسة في الأيدي الخطأ. وقال: “نحن نبحث بشكل مكثف في مسألة من يمكننا منحه حق الوصول إلى المعلومات المصنفة على أنها سرية. ونحن نقوم بذلك بالفعل في الوقت الحالي. ونحن ملزمون بذلك، لأن الأمر يتعلق بأمن بلادنا.”.
عدة مواقع للجيش الألماني في ولاية ساكسونيا-أنهالت
توجد في ولاية ساكسونيا-أنهالت عدة مواقع تابعة للجيش الألماني، لكنها تخضع لإدارة وزارة الدفاع الاتحادية. فهناك ميادين تدريب عسكرية في ألتمارك وموكرن، وثكنات عسكرية في بلانكنبورغ، وبورغ، وغارديليغن، وفايسنفيلس، وهافيلبرغ، إضافة إلى قيادة الولاية لساكسونيا-أنهالت في مدينة ماغديبورغ.
قد يفوز حزب البديل من أجل ألمانيا في انتخابات برلمان ولاية ساكسونيا-أنهالت المقررة في سبتمبر من العام 2026، ويشكل حكومة الولاية من خلال منصب رئيس الوزراء.
وبهذا ستكون للحزب مشاركة في المجلس الاتحادي (البوندسرات). ويمكن لأعضاء المجلس الاتحادي الاطلاع على الوثائق السرية الخاصة بالاتحاد “بقدر ما يكون ذلك ضروريًا لأداء مهامهم وممارسة صلاحياتهم داخل المجلس الاتحادي”، وفقًا لما تنص عليه لائحة حماية الأسرار الخاصة بالمجلس الاتحادي.
وفي حال وقوع حالة دفاع، تجتمع اللجنة المشتركة التي تضم كذلك ممثلين عن حكومات الولايات. وتقوم كل حكومة ولاية بتعيين أحد أعضائها ليكون عضوًا في هذه اللجنة.
احتمالية وصول حزب البديل إلى السلطة
مع تصدر حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) استطلاعات الرأي في ولاية ساكسونيا أنهالت Sachsen-Anhalt ، تتزايد المخاوف داخل الأوساط السياسية الألمانية من احتمال وصول الحزب اليميني الشعبوي إلى السلطة على مستوى إحدى الولايات للمرة الأولى.
ويرى مراقبون أن هذا السيناريو، الذي كان يُعد حتى وقت قريب احتمالًا نظريًا، بات أقرب إلى التحقق في الانتخابات الإقليمية المقررة خلال سبتمبر من العام 2026.
حيث تشير استطلاعات الرأي إلى حصول الحزب على أكثر من 40% من نوايا التصويت، وسط تراجع الأحزاب التقليدية وتعثر الائتلاف الحاكم في برلين. كما لم تؤدِ الانتقادات الموجهة للحزب بشأن مواقفه من روسيا أو الاتهامات المتعلقة بالمحسوبية والتجسس والفساد إلى إضعاف شعبيته، ما عزز مكانته كأحد أبرز الفاعلين السياسيين في شرق ألمانيا.
تداعيات فوز حزب البديل من أجل ألمانيا
وفي حال فشل الأحزاب الصغيرة مثل حزب الخضر أو الحزب الديمقراطي الحر FDP في تجاوز عتبة 5% اللازمة لدخول البرلمان المحلي، فقد يتمكن حزب البديل من تشكيل حكومة الولاية بمفرده. وحتى إذا تراجعت شعبيته نسبيًا، فإن استبعاده من السلطة قد يتطلب تشكيل ائتلاف واسع ومعقد بين جميع الأحزاب الأخرى، وهو خيار يعتبره كثيرون غير مستقر سياسيًا.
يرى محللون أن وصول الحزب إلى رئاسة حكومة ولاية ساكسونيا أنهالت ستكون له تداعيات واسعة تتجاوز حدود الولاية التي يقطنها أكثر من مليوني نسمة. إذ سيؤثر ذلك على عمل المجلس الاتحادي (البوندسرات)، ويعقد آليات التنسيق بين الولايات الألمانية، كما سينعكس على التوازنات السياسية داخل البرلمان الاتحادي والحكومة الفيدرالية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس.
تحول في المشهد السياسي الألماني والأوروبي
ويحذر مراقبون من أن هذا التطور قد يمثل نقطة تحول في المشهد السياسي الألماني والأوروبي، ويمنح دفعة إضافية للأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا. كما قد يُنظر إليه بوصفه نجاحًا للقوى الدولية الداعمة للحزب، وفي مقدمتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ورغم تصاعد المخاوف، يرى كاتب المقال أن الساحة السياسية الألمانية لا تبدو مستعدة بالكامل للتعامل مع تداعيات هذا الاحتمال، باستثناء بعض المحاولات التي يقودها المستشار الألماني فيريدريش ميرتس لدفع حزبه وشركائه نحو تنفيذ الإصلاحات خلال العام 2026.
وكان المكتب الاتحادي لحماية الدستور قد صنف فرع الحزب في ساكسونيا أنهالت باعتباره “يمينيًا متطرفًا”، إلا أن القضاء أصدر في فبراير من العام 2026 قرارًا مؤقتًا يمنع استخدام هذا الوصف إلى حين صدور الحكم النهائي في القضية.
البرنامج الانتخابي لحزب البديل
يبرز أولريش زيغموند، المرشح الرئيسي للحزب في الولاية، بوصفه الشخصية الأوفر حظًا لتولي رئاسة الحكومة المحلية. ويؤكد زيغموند التزامه بسيادة القانون واختيار المسؤولين على أساس الكفاءة، غير أن منتقديه يشككون في هذه الوعود. وكان زيغموند، البالغ من العمر 35 عامًا، عضوًا سابقًا في الحزب الديمقراطي المسيحي قبل انتقاله إلى حزب البديل قبل نحو عقد من الزمن.
ويعد من أبرز الوجوه الصاعدة داخل الحزب، كما يحظى بشعبية كبيرة على منصة “تيك توك”، خصوصًا بين الشباب في الولاية التي تعاني معدلات بطالة مرتفعة نسبيًا. ويتضمن البرنامج الانتخابي الذي طرحه الحزب في أبريل من العام 2026 سلسلة من المقترحات المثيرة للجدل، من بينها ترحيل اللاجئين أو نقلهم إلى مساكن جماعية، رغم أن الولاية تعد من أقل مناطق ألمانيا تنوعًا من حيث الخلفيات المهاجرة.
كما يدعو الحزب إلى تقليص تمويل وسائل الإعلام العامة التي يعتبرها معادية وغير وطنية، وتعزيز ما يصفه بالثقافة الوطنية. كما انتقد الحزب حركة “باوهاوس” الفنية ذات الجذور التاريخية القوية في الولاية. وفي الجانب الاجتماعي، يربط الحزب انخفاض معدلات المواليد بما يسميه “أنماط الحياة غير الإنجابية”، ويقترح حوافز ضريبية ودعمًا للأسر المكونة من أب وأم وعدد كبير من الأطفال، في إطار ما يصفه بالحفاظ على مستقبل الشعب الألماني.
وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية من اختصاص الحكومة الاتحادية، فإن زيغموند يدعو إلى إنهاء العقوبات المفروضة على روسيا، وإعادة تدريس اللغة الروسية في المدارس، واستئناف برامج التبادل مع الطلاب الروس. كما يطالب بإعادة تصنيف الأوكرانيين من لاجئي حرب إلى مهاجرين غير شرعيين. ويرى مراقبون أن نجاح الحزب في تنفيذ بعض هذه السياسات، أو حتى عرقلتها من قبل القضاء أو الحكومة الاتحادية، قد يعزز روايته السياسية القائمة على أنه ضحية لما يسميه “الدولة العميقة”.
وخلافًا لبعض الأحزاب اليمينية الشعبوية الأخرى في أوروبا، مثل التجمع الوطني في فرنسا أو حزب الإصلاح في بريطانيا، لم يُظهر حزب البديل حتى الآن توجهًا واضحًا نحو الاعتدال، رغم تصاعد الانتقادات الأوروبية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب واستمرار الحرب مع إيران.
كما لم تؤثر المواقف الروسية أو الحرب في أوكرانيا سلبًا على شعبيته، خاصة في الولايات الشرقية التي لا تزال تضم أصواتًا سياسية تطالب بعلاقات أوثق مع موسكو.
ينظر الكثير من الألمان بقلق إلى احتمال وصول الحزب إلى السلطة في ساكسونيا أنهالت، إلا أن هذا القلق لا يتحول حتى الآن إلى تحرك سياسي فعّال، بل يبدو أقرب إلى حالة من التردد والجمود السياسي.
لم يعد الجدل في ألمانيا يدور حول ما إذا كان حزب البديل من أجل ألمانيا قادرًا على تحقيق مكاسب انتخابية، بل حول كيفية تعامل النظام السياسي مع احتمال انتقاله من موقع المعارضة إلى موقع السلطة. ويعكس هذا التحول أزمة أعمق تتعلق بتراجع ثقة شريحة من الناخبين بالأحزاب التقليدية، واتساع الفجوة بين شرق وغرب ألمانيا، إضافة إلى تأثير ملفات الهجرة والاقتصاد والطاقة والحرب في أوكرانيا على السلوك الانتخابي.
وفي حال تمكن الحزب من قيادة حكومة ولاية للمرة الأولى، فإن ذلك لن يقتصر على كونه إنجازًا انتخابيًا، بل سيشكل اختبارًا لقدرة المؤسسات الألمانية على إدارة مرحلة سياسية جديدة، وقد يعيد رسم توازنات المنافسة الحزبية داخل ألمانيا ويمنح الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا دفعة سياسية ومعنوية خلال السنوات المقبلة.


