الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

ألمانيا تبحث المشاركة المحتملة في البعثة العسكرية بمضيق هرمز

جريدة الحرة بيروت

وكالات ـ تتجه بوصلة النقاشات في دوائر صنع القرار داخل برلين نحو واقعية عسكرية تفرضها المتغيرات المتسارعة، حيث لم تعد المشاركة في تأمين الملاحة بمضيق هرمز مجرد احتمال بعيد، بل باتت ملفاً حاضراً على طاولة البحث الفني. تعكس تقارير مجلة “دير شبيغل” تحركاً ألمانياً تجاوز مرحلة التصريحات السياسية العامة إلى مرحلة “التخطيط الحذر” وراء الكواليس؛ وهو مصطلح عسكري يشير إلى وضع السيناريوهات الجاهزة للتنفيذ فور صدور القرار السياسي، ما يمنح برلين قدرة على امتلاك زمام المبادرة بدلاً من الاكتفاء برد الفعل تجاه أي أزمة مفاجئة في هذا الشريان الملاحي العالمي.

تتجاوز الخيارات المطروحة على المستوى العملياتي فكرة التواجد الرمزي لتلمس احتياجات ميدانية حقيقية، إذ يبرز سيناريو المرافقة والحماية كخيار يتطلب دفعاً بقطع بحرية ذات قدرات ردعية عالية لحماية الناقلات من التهديدات الوشيكة. في المقابل، يظهر خيار مكافحة الألغام البحرية كمسار تفضله النخبة السياسية الألمانية، كونه يمنح برلين دوراً حيوياً في تأمين المسارات التجارية الدولية عبر توظيف خبراتها التكنولوجية الفائقة، مع الحفاظ على طابع “دفاعي وقائي” يجنبها الانزلاق إلى صدامات مباشرة قد تُحسب كاستفزاز للقوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة.

تبدو ألمانيا من الناحية الاستراتيجية عالقة في معضلة التوازنات الكبرى، فبصفتها محركاً اقتصادياً يعتمد كلياً على انسيابية حركة التجارة والطاقة، يمثل أي اضطراب في مضيق هرمز تهديداً مباشراً لأمنها القومي الاقتصادي. تتزامن هذه الهواجس مع ضغوط مكثفة من حلفاء “الناتو” الذين يطالبون ألمانيا بضرورة مواءمة ثقلها العسكري مع حجمها الاقتصادي. وتشير نقاشات الحلف في بروكسل، وفقاً لصحيفة “هاندلسبلات”، إلى إدراك ألماني بأن الانكفاء لم يعد خياراً مستداماً، خاصة في ظل الحاجة إلى مظلة دولية جماعية تضمن الاستقرار دون الانجرار إلى حروب استنزافية مفتوحة النتائج.

تظل التعقيدات الداخلية مرتبطة بالذاكرة التاريخية والثقافة الأمنية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، ما يفرض العودة الدائمة للبرلمان (البوندستاغ) للحصول على تفويض لأي مهمة مسلحة خارج الحدود. يفرض هذا المسار الديمقراطي على الحكومة صياغة إطار قانوني دقيق يجمع بين الوفاء بالالتزامات الدولية والحفاظ على التوازنات الحزبية الهشة، وهو ما يفسر حالة التكتم والعمل الهادئ بعيداً عن الأضواء لضمان نضوج التوافقات السياسية قبل أي إعلان رسمي قد يثير جدلاً شعبياً أو برلمانياً واسعاً حول جدوى الانخراط العسكري في الشرق الأوسط.

يستدعي هذا التحول قراءة معمقة في تداعياته على العلاقات الإقليمية؛ فدخول ألمانيا كطرف “ضامن للأمن الملاحي” قد يُنظر إليه في العواصم الإقليمية كتحول من سياسة الوساطة إلى سياسة الاصطفاف، وهو ما تحاول برلين جاهدة تجنبه عبر تأكيد صبغة المهمة “الدولية والقانونية”. تهدف الدبلوماسية الألمانية من وراء هذا التوازن إلى ضمان أن يكون وجودها العسكري أداة لتهدئة المخاوف، وليس سبباً في زيادة الاستقطاب، خاصة مع حرصها التاريخي على الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع جميع الأطراف المتنازعة في منطقة الخليج لضمان عدم تعثر الاتفاقات الكبرى.

يفتح هذا التوجه الباب أمام تساؤلات حول شكل القيادة الأوروبية المستقبلية في مناطق النزاع، حيث لم يعد الدور الألماني مقتصراً على تقديم الدعم اللوجستي أو التمويل المالي، بل بدأ يتشكل نحو “انخراط مسؤول” يسعى لرسم قواعد اشتباك جديدة تحمي القانون الدولي وحرية الملاحة. يعتمد نجاح برلين في هذه المهمة على قدرتها الفائقة في الموازنة بين مقتضيات التحالف الدولي وحماية مصالحها، وبين الإبقاء على مسافة كافية تتيح لها لعب دور “الموازن” في الأزمات الجيوسياسية المعقدة التي تتداخل فيها مصالح الطاقة بالأمن الإقليمي.

يستشرف هذا التخطيط المستمر حقبة جديدة تستعد فيها ألمانيا للعب دور “الضامن التقني” للأمن البحري، وهو دور قد يغير من موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الشمال الأطلسي. إن تمكنت برلين من تفعيل مشاركتها تحت غطاء حماية التجارة العالمية، ستكون قد أثبتت قدرتها على التحرك في بيئة جيوسياسية شديدة الاضطراب، محولةً “التخطيط الحذر” من مجرد إجراء وقائي إلى استراتيجية استباقية تعزز مكانتها كلاعب دولي لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن الملاحي العالمي، وتضع حداً لسياسة الانتظار التي ميزت عقوداً من سلوكها الخارجي تجاه أزمات المنطقة الملتهبة.

https://hura7.com/?p=77428

الأكثر قراءة