الأكثر قراءة

ألمانيا تبحث عن جيل استخباراتي جديد عبر عالم الألعاب الإلكترونية

جريدة الحرة بيروت

بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش

تتجه الاستخبارات الخارجية الألمانية (BND) إلى توسيع أدواتها في استقطاب الكفاءات التقنية، مستفيدة من عالم ألعاب الفيديو للبحث عن مواهب قد تجد طريقها مستقبلًا إلى العمل الاستخباراتي. ووفق ما أوردته صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، تشارك الوكالة في معرض «غيمز كوم» بمدينة كولونيا، عبر جناح مخصص للتوظيف ولعبة تفاعلية طورتها بنفسها، في محاولة لاختبار قدرات المشاركين في مجالات الأمن السيبراني والبرمجة والتعامل مع الهجمات الرقمية.

من الألعاب إلى الاستخبارات

تحمل اللعبة اسم «BND Legends» أو «أساطير الاستخبارات الألمانية»، وتتيح للزوار خوض مهام افتراضية تحاكي بعض التحديات التقنية التي يمكن أن تواجه العاملين في المجالات الاستخباراتية. ولا يبدو الهدف مقتصرًا على تقديم صورة مختلفة عن جهاز الاستخبارات أو جذب اهتمام جمهور المعرض، بل يتصل أيضًا بمحاولة الوصول إلى فئة من الشباب الذين يمتلكون مهارات تقنية يصعب الحصول عليها عبر قنوات التوظيف التقليدية.

مهارات اللاعب تحت الاختبار

تراهن الوكالة على وجود تقاطع بين مهارات اللاعبين وطبيعة بعض الوظائف الاستخباراتية الحديثة. فالمنافسة في ألعاب الفيديو تتطلب سرعة في تحليل المعطيات، والقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، والتعامل مع بيئات متغيرة، وحل المشكلات بصورة متسلسلة، وهي مهارات يمكن توظيفها في مجالات الأمن السيبراني وتحليل البيانات والعمليات التقنية. ولهذا ترى BND أن مجتمع اللاعبين يضم مواهب تتميز بالقدرات التقنية والمثابرة والقدرة على تنفيذ المهام والوصول إلى الأهداف.

الاستخبارات تدخل عصر الهجمات الرقمية

يكتسب هذا التوجه أهمية أكبر في ظل التحولات التي تشهدها طبيعة العمل الاستخباراتي نفسه. فالصراع بين الدول لم يعد يجري فقط عبر جمع المعلومات من المصادر البشرية أو مراقبة التحركات الميدانية، بل انتقل بصورة متزايدة إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت شبكات الحاسوب والخوادم والبنية التحتية الرقمية أهدافًا ووسائل في الوقت ذاته. وبذلك، تتحول المهارات التي كانت تعد مرتبطة بمجال الترفيه الإلكتروني إلى موارد يمكن للأجهزة الأمنية الاستفادة منها في مواجهة الاختراقات والهجمات السيبرانية والعمليات الرقمية المعقدة.

توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية

يأتي تحرك BND في وقت تسعى فيه ألمانيا إلى إعادة صياغة قدرات أجهزتها الاستخباراتية لمواجهة بيئة أمنية أكثر تعقيدًا. فمشروع الإصلاح التشريعي الذي أقرته الحكومة في منتصف أغسطس يتجه إلى توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات، بحيث لا يقتصر دورها على جمع المعلومات وتحليلها، وإنما يمتد إلى اتخاذ إجراءات أكثر نشاطًا ضد مصادر التهديد، بما في ذلك اختراق أنظمة تكنولوجيا المعلومات التابعة للخصوم بصورة مستهدفة، إلى جانب تعطيل خوادم مرتبطة بمجموعات القرصنة الإلكترونية.

نحو عميل استخباراتي مختلف

هنا تبرز دلالة الجمع بين استقطاب اللاعبين وتوسيع الصلاحيات الاستخباراتية؛ فالمسألة لا تتعلق بحملة توظيف غير تقليدية فحسب، وإنما تعكس تحولًا في احتياجات الأجهزة الأمنية الألمانية. وكلما اتجهت الاستخبارات نحو عمليات رقمية أكثر تعقيدًا، أصبحت حاجتها إلى المبرمجين وخبراء الأمن السيبراني ومحللي البيانات أكبر، ما يدفعها إلى البحث عن المواهب في أماكن لم تكن تعد تقليديًا خزانات بشرية للعمل الاستخباراتي.

منافسة على العقول الرقمية

يعكس استخدام ألعاب الفيديو في حملة التوظيف محاولة لتغيير الصورة التقليدية عن أجهزة الاستخبارات وجعلها أكثر جاذبية لجيل نشأ في بيئة رقمية. فالوكالة تقدم نفسها كمؤسسة تحتاج إلى مهارات البرمجة والهندسة الرقمية وتحليل الأنظمة، في وقت تحتدم فيه المنافسة بين المؤسسات الحكومية وشركات التكنولوجيا على استقطاب الكفاءات المتخصصة. وقد تكون مشاركة BND في «غيمز كوم» مؤشرًا على إعادة تعريف مفهوم العميل الاستخباراتي نفسه؛ فالموظف المستقبلي قد لا يكون صاحب الخبرة التقليدية في العمل السري فقط، بل خبيرًا قادرًا على تحليل شبكة معقدة، أو اكتشاف ثغرة رقمية، أو تتبع نشاط إلكتروني، أو تعطيل بنية تحتية يستخدمها خصم.

الألعاب بوابة إلى الأمن القومي

سبق للجيش الألماني استخدام أساليب تسويقية مرتبطة بثقافة الشباب والألعاب لجذب الراغبين في الانضمام إلى صفوفه، ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المنافسة على الكفاءات لم تعد تجري فقط بين المؤسسات الحكومية، بل تشمل شركات التكنولوجيا والأمن السيبراني والمنصات الرقمية. وبذلك، قد تبدو لعبة «أساطير BND» مجرد واجهة جذابة لحملة توظيف، لكنها تكشف عن تحول أعمق في أولويات الأمن الألماني: المهارات الرقمية أصبحت جزءًا من القوة الاستخباراتية، واللاعب المتمرس قد يتحول من مستخدم للألعاب إلى عنصر في منظومة أمنية تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والعمليات السيبرانية.

https://hura7.com/?p=83614

الأكثر قراءة