جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تواجه ألمانيا تحديًا متزايدًا في تعزيز منظومة الحماية المدنية مع تصاعد المخاوف الأمنية في أوروبا، وسط نقص حاد في الملاجئ العامة. وفي ظل بطء الإجراءات الحكومية، بدأت مبادرات بإعادة تأهيل ملاجئ قديمة لسد جزء من الفجوة، بينما يتواصل الجدل بشأن جاهزية البلاد لمواجهة الطوارئ.
نقص كبير في عدد الملاجئ
تستعد ألمانيا لجميع الاحتمالات في ظل التوترات القائمة، غير أن هناك نقصًا كبيرًا في الملاجئ. مما دفع جمعية أهلية في برلين إلى أخذ المبادرة بنفسها، حيث بات خطر القنابل والصواريخ التي قد تحتم على السكان في ألمانيا البحث عن ملاجئ للوقاية منها، أصبح أمرًا ملموسًا مجددًا. ومنذ بداية حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022، تطرح المجتمعات في جميع أنحاء أوروبا سؤالًا: كيف نحمي أنفسنا عند وقوع أي هجوم؟. وتحديدًا في ألمانيا، هناك تأخر كبير في هذا المجال.
فبينما تمتلك دول أخرى بنية تحتية جيدة وسعة كافية في الملاجئ، أهملت ألمانيا هذا الموضوع لسنوات طويلة. ومنذ نهاية الحرب الباردة، تراجع الاهتمام العام بالملاجئ، وفي عام 2007 قررت الحكومة الاتحادية إلغاء تخصيص الملاجئ العامة تدريجيًا.
وفي العام 2026، يتوفر نحو 480,000 مقعد فقط في الملاجئ لـ 83.4 مليون نسمة، بالتزامن مع غياب الحلول السياسية لكيفية التعامل مع هذه المشكلة. لذلك قررت جمعية “أنفاق برلين” التحرك بنفسها. وتعمل الجمعية على تجهيز ملجأين قديمين لتوفر للناس الحماية مستقبلاً. ملجأ عمليات سابق في شارع “تايششترتسه” في حي راينكندورف، وهذا الملجأ الواقع تحت ساحة “بلوخبلاتس” في حي غيزوندبرونن، هما محاولة أولى لاختبار ما يلزم لتوفير الحماية المدنية.
انتقادات للحكومة الاتحادية
يطالب مدير عام العمليات في جمعية “أنفاق برلين” كاي هاينه قائلًا: “يجب على السياسيين التحرك”. وهناك حاجة إلى تعريفات واضحة للمعايير التي يجب أن يستوفيها كل مكان داخل الملجأ والمدة التي يمكن للناس البقاء فيها عند الضرورة. ولا يعود هذا التلكؤ إلى نقص الخبرة لدى الجمعية، فقد أتم هاينه بنفسه ومعه أعضاء آخرون آخر الدورات التدريبية لإدارة الملاجئ لدى المكتب الاتحادي للحماية المدنية والمساعدة في حالات الكوارث عام 2004.
ويؤكد: “نحن نعلم كيف ندير الملاجئ”. ورغم وجود تواصل مع وزارة الداخلية ومع ولاية برلين، لم يتم التوصل إلى أمور محددة بعد. وكان من المفترض أن تعد وزارة الداخلية مفهومًا وطنيًا للملاجئ. ورداً على استفسار، أكدت وزارة الداخلية والمكتب الاتحادي أن المفهوم أُعد بالفعل ويجري التنسيق بشأنه مع الولايات. وأوضح متحدث: “لتحديد المساحات المناسبة، أنشأت مجموعة عمل تضم الاتحاد والولايات دليل معايير محددًا”.
هاينه لا يعرف هذا الدليل بعد، ويرى أن كل شيء يسير ببطء شديد: “كان يجب أن يكون هذا جاهزًا منذ وقت طويل”. ويوافقه الرأي هينينغ غورش، وهو أستاذ متخصص في الوقاية من الأخطار والحماية المدنية، إذ يقول: “لا أستطيع فهم سبب استغراق الأمر كل هذا الوقت”. في حين يكتفي المكتب الاتحادي بالتأكيد: “تتمسك الحكومة الاتحادية بالهدف الرئيسي المتمثل في الجاهزية للدفاع المدني بحلول عام 2029”.
لكن الحكومة الاتحادية تتكتم حول حجم الأموال التي ستستثمرها. ورغم إعلان وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت عن برنامج للحماية المدنية ورصد عشرة مليارات يورو، إلا أن هذه الأموال مخصصة بالأساس لسيارات الهيئة الاتحادية للإغاثة الفنية، وشراء 110,000 سرير ميداني، وتحديث تطبيق الإنذار لتوفير معلومات حول مواقع أقرب الملاجئ.
بالنسبة لهاينه، تعد هذه الخطة “خطوة مهمة”، خصوصًا دعم الهيئة الاتحادية للإغاثة الفنية. لكن في موضوع التطبيق، يُتخذ القرار بشكل متعجل، إذ لا تتوفر حتى الآن قائمة ورقية تفصيلية بمواقع الملاجئ القريبة.
الفجوة ضخمة في برلين
يبقى السؤال قائماً حول كيفية توفير أماكن لـ 83.4 مليون نسمة في ألمانيا. في برلين وحدها تبدو الفجوة ضخمة جداً. توضح جمعية “أنفاق برلين” أنها تستطيع توفير نحو 10,000 مكان في عشرة ملاجئ، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بسكان العاصمة البالغ عددهم 3.9 ملايين نسمة. مع ذلك، لا تفترض الحكومة الاتحادية ضرورة توفير ملاجئ لجميع السكان.
ففي مفهوم الدفاع المدني الصادر عام 2016، كُلفت الولايات بتوفير أماكن استيعاب لنسبة واحد بالمئة فقط من السكان عند وقوع الكوارث. يوضح الخبير غورش: “إذا حدثت هجمات مماثلة لما يجري، فلن نكون بحاجة إلى ملاجئ كالتي كانت في الحرب الباردة”. فالحماية من الصدمات الميكانيكية الشديدة والحرائق والأنقاض وتثبيت أنظمة تهوية وفلترة معقدة لم تعد ضرورية اليوم بالقدر نفسه.
تتطور الحماية المدنية في ألمانيا بشكل بطئ وفقًا للصليب الأحمر الألماني، لذلك سيتعين على ألمانيا استثمار مليارات الدولارات لحماية السكان في حالة الطوارئ. حيث انتقدت منظمة الصليب الأحمر الألمانية العجز الكبير في الحماية المدنية الألمانية وحذرت من عدم الاستعداد الكافي لمواجهة الأزمات أو حالات الحرب. أفاد تقرير في مارس 2025، أن الأمين العام “كريستيان رويتر” يرى فجوات كبيرة بشكل خاص في توفير السكن والرعاية الطبية وتدريب المساعدين.
وأوضح رويتر أن “نقطة التحول” التي أعلنها المستشار الألماني السابق أولاف شولتز لم تنعكس على الحماية المدنية. كما أن هناك حاليًا نقصًا في الملاجئ الطارئة لما يصل إلى 1.7 مليون شخص وفي موظفي الإغاثة من الكوارث المدربين بشكل كافٍ. كما أن قدرات المستشفيات ليست مهيأة لمواجهة المواقف الدفاعية، والاعتماد على آسيا في توفير المضادات الحيوية يشكل خطرًا.
تطوير الحماية المدنية في ألمانيا
ولهذا السبب يطالب الصليب الأحمر الألماني بـ20 مليار يورو على المدى القصير من الصندوق الخاص بالبنية التحتية الذي تبلغ قيمته 500 مليار يورو. وتشير ورقة النتائج السياسية إلى أنه يجب تعزيز الحماية المدنية وحماية السكان، ولكن حتى الآن لم يتم تخصيص أي أموال كافية لهذا الغرض. وترى رويتر أن الاستثمارات الإضافية “متأخرة للغاية” وتدعو إلى زيادة كبيرة في الميزانية العادية لوزارة الداخلية، والتي تبلغ حاليًا ما بين 500 إلى 600 مليون يورو سنويًا.
وبدلًا من ذلك، هناك حاجة إلى نحو 2.5 مليار يورو. من أجل تحسين حماية السكان، تستثمر (DRK) أموالها الخاصة في مركز حماية مدنية حديث في (Luckenwalde). ويجري هناك بناء ما يسمى بـ”وحدة الرعاية المتنقلة”، التي يمكنها توفير الرعاية الكافية ذاتيًا لما يصل إلى 5000 شخص في حالات الطوارئ.
وكان من المفترض في الواقع إنشاء 10 وحدات من هذا النوع على مستوى البلاد، لكن الحكومة الفيدرالية لم تمول حتى الآن سوى وحدة واحدة فقط بالكامل. وانتقد رويتر هذا الأمر ووصفه بأنه “قطرة في محيط”.
النظام الصحي في ألمانيا غير مستعد للحرب
يرى الصليب الأحمر الألماني مشكلة أخرى في نظام الرعاية الصحية، الذي يعاني بالفعل من إغلاق المستشفيات ونقص الموظفين. في حالة اندلاع حرب محتملة، فإن القدرات غير كافية على الإطلاق. ومن المهم بشكل خاص إعداد السكان بشكل أفضل لمواجهة حالات الأزمات. ينبغي للأسر تخزين الإمدادات ويجب توفير المزيد من التدريب للمساعدين. والهدف هو أن يشارك 16 مليون مواطن في دورات الإسعافات الأولية ذات المحتوى المتعلق بالحماية الذاتية.
يرفض الصليب الأحمر الألماني الالتزام بالخدمة العامة، لكنه يقترح زيادة المعلومات للشباب حول الخدمات التطوعية. وبتوفير حوافز مالية أفضل، يمكن تجنيد ما يصل إلى 200 ألف متطوع كل عام. وسوف يكلف هذا الأمر نحو ثلاثة مليارات يورو سنويًا، ولكنه سيكون أرخص من إعادة فرض التجنيد الإجباري. يعمل الصليب الأحمر الألماني والخدمة الطبية للجيش الألماني الآن معًا بشكل أوثق للاستعداد لسيناريوهات الحرب المحتملة.
يضمن الصليب الأحمر الألماني توفير إمدادات الدم للقوات المسلحة ويعمل على بناء مجموعة من الأطباء والممرضات المدنيين المتطوعين الذين يمكنهم المساعدة في الخدمة الطبية العسكرية. هناك أيضًا خطط لعلاج الجنود الجرحى في عيادات (DRK).


