جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن استعداد الدول الأوروبية لخوض حوار شريطة أن يكون جادا، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بهدف إيجاد سبل إنهاء النزاع الدائر في أوكرانيا. وقال فاديفول في مقابلة اجرتها معه صحيفة “بيلد” الألمانية: “إذا كان الرئيس بوتين مستعدا بجدية للحديث عن وقف هذه الحرب، فإننا بكل تأكيد سنكون مستعدين للتحدث معه بشأن ذلك”.
وأضاف الوزير أن برلين تضع دعمها خلف جميع المبادرات الهادفة إلى خفض التصعيد، وعلى رأسها مقترح الهدنة في البحر الأسود، معتبراً أن تفعيل هذه المبادرة قد يمهد الطريق لفرض حظر شامل على استهداف البنى التحتية للطاقة، مما يشكل خطوة أولى نحو تهدئة شاملة، حسب الوزير. وفي وقت سابق وصف وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف دعوات كييف للعودة إلى ما يشبه “مبادرة البحر الأسود” للعامين 2022-2023، من خلال اتفاق بين روسيا وأوكرانيا على عدم استهداف السفن التجارية المدنية في البحر الأسود، بأنه أمر “غير مقبول وغير واقعي على الإطلاق”، موضحا أن أوكرانيا استغلت في الماضي سفنا تجارية لنقل أسلحة.
وأكد لافروف أن روسيا تبقى منفتحة على إجراء مفاوضات بشأن أوكرانيا، غير أنها لن توقف تنفيذ مهامها العسكرية خلال فترة إجراء أي محادثات. بدوره، اعتبر نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو أن تصريحات السياسيين الأوروبيين بشأن تسوية النزاع في أوكرانيا والانخراط في حوار مع روسيا ليست إلا كلاما فارغا وإثارة ضجيج إعلامي، إذ يبقى هدف الأوروبيين هو إلحاق هزيمة استراتيجية بموسكو. وكان الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف حذر من أن مشاركة ممثلين أوروبيين في جولات الاتصال الخاصة بالتسوية الأوكرانية قد تفضي إلى تعقيد العملية التفاوضية بدلا من تبسيطها، في إشارة إلى انحياز أوروبي واضح لكييف.
هل تنجح الدبلوماسية الأوروبية في كسر الجمود واختبار نوايا موسكو للسلام؟
تعكس التصريحات المتبادلة بين برلين وموسكو عمق الهوة الاستراتيجية وغياب الحد الأدنى من الثقة اللازمة لصياغة تسوية سياسية، حيث ترتكز المقترحات الأوروبية على مقاربة متدرجة تبدأ بوقف استهداف البنى التحتية للطاقة وإحياء تفاهمات البحر الأسود كمدخل لتهدئة أوسع، بينما تنظر القيادة الروسية إلى هذه الطروحات بريبة بالغة باعتبارها محاولات لكسب الوقت أو تكريساً لأنحياز غربي سافر لا يغير من الثوابت الميدانية شيئاً. هذا التباين الحاد في تعريف “شروط التفاوض” يبرز أن أي مسار محتمل لإنهاء النزاع سيسطدم بعقبات بنيوية عميقة تتعلق بإصرار موسكو على مواصلة العمليات العسكرية بالتوازي مع أي حوار، وتمسك الأطراف الأوروبية بضرورة اقتران الدعم الدبلوماسي برادع عسكري يمنع فرض شروط روسية أحادية على الهندسة الأمنية للقارة.
على صعيد أعمق، يكشف هذا السجال عن أزمة هيكلية في صناعة القرار الدبلوماسي الخاص بالأزمة الأوكرانية، إذ بات كل طرف يسوق مبادراته كوسيلة لتحسين شروط المواجهة لا لإنتاجها فعلياً، في ظل رفض الكرملين القاطع لأي صيغ ترى فيها موسكو تقويضاً لمصالحها أو التفافاً على أهدافها العملياتية. ومع تباين المواقف حول جدوى الانخراط المباشر وتعارض الرؤى بشأن شكل التسوية النهائية، تتحول المبادرات الجزئية مثل حماية ممرات الطاقة وتأمين الملاحة البحرية إلى ساحة اختبار إضافية لصراع الإرادات، حيث يُنتظر أن تُحدد نتائجها ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو نافذة ضيقة للتهدئة أم نحو مزيد من الجمود الدبلوماسي وتصلب الخنادق السياسية.
وفي ظل هذا التجاذب المستمر، يظل الرهان على اختراق دبلوماسي حقيقي محكوماً بمدى قدرة الطرفين على قبول تسويات وسطى تتجاوز الشعارات الإعلامية، فبينما تسعى العواصم الأوروبية لتقديم نفسها كصانعة سلام تبحث عن مخرج آمن، تمضي موسكو في ربط أي مسار تفاوضي بتحقيق أهدافها الميدانية الكاملة، مما يجعل مسار التسوية معلقاً على حافة معادلة صفرية تهدد بإطالة أمد الصراع وتعميق خسائره الاقتصادية والإنسانية على مستوى العالم.


