جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تتزايد المخاوف الأمنية المرتبطة بتهديد البنية التحتية الحيوية والمطارات في ألمانيا في ظل التوسع المتسارع لاستخدام الطائرات المسيّرة،. وتدفع هذه التحديات السلطات الألمانية إلى تطوير منظومة وطنية متكاملة للكشف عن الطائرات بدون طيار ومواجهتها، بالاعتماد على التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متناميًا للمخاطر الاقتصادية والأمنية التي تفرضها الهجمات بالطائرات المسيّرة.
الطائرات المسيّرة تمثل خطرًا متزايدًا
تخطط هيئة الملاحة الجوية الألمانية (DFS) لمواجهة التهديد المتزايد الذي تشكله الطائرات المسيّرة، لإنشاء شبكة دفاعية وطنية ضد هذه الطائرات. وسيتم تنفيذ هذه الشبكة بالتعاون مع شركة هينسولدت للصناعات الدفاعية وشركة دويتشه تيليكوم.
صرح الرئيس التنفيذي لهيئة الملاحة الجوية الألمانية، أرندت شونمان: “تمثل الطائرات المسيّرة خطرًا متزايدًا على البنية التحتية الحيوية في ألمانيا. لحمايتها، يجب علينا توحيد مواردنا المتاحة”. بحسب التقرير، تتضمن “خطة عمل الطائرات المسيّرة في ألمانيا” إنشاء منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
تهدف هذه المنصة إلى ربط البيانات الواردة من أبراج الهواتف المحمولة بأنظمة الكشف عن الطائرات المسيّرة والدفاع عنها الثابتة في المطارات ومحطات توليد الطاقة ومنشآت الجيش الألماني.
التكاليف المترتبة على هجمات الطائرات بدون طيار
تسببت هجمات الطائرات المسيّرة في العام 2025 في شلّ مطار ميونخ بألمانيا بشكل متكرر. وقد أطلقت ولاية بافاريا برنامجًا للدفاع ضد الطائرات المسيّرة. كما اتخذ وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت إجراءات مماثلة، حيث وضع الإطار القانوني الذي يسمح للشرطة الاتحادية بإسقاط الطائرات المسيّرة في المطارات. بحسب دراسة أجراها المركز الألماني لأبحاث الفضاء (DLR)، تم الإبلاغ عن 226 حادثة تتعلق بطائرات بدون طيار في ألمانيا العام 2025. من بين هذه الحوادث، أدى 116 حادثة إلى إغلاق كلي أو جزئي لـ 25 مطارًا، مما كلف قطاع الطيران حوالي 60 مليون يورو. وإذا أُخذت في الاعتبار التكاليف المترتبة على التأخيرات واضطراب جداول الرحلات الجوية وإلغاء الرحلات بسبب رصد الطائرات بدون طيار، فإن الخسائر ترتفع إلى 160 مليون يورو.
اتخاذ تدابير مضادة
تعتزم إدارة الأمن البحري الألمانية اتخاذ تدابير مضادة، حيث سيتم تجميع البيانات الواردة من أجهزة الاستشعار اللامركزية وتحليلها تلقائيًا. والهدف هو الحصول على صورة شاملة لحالة الطائرات المسيّرة على مستوى الدولة، والتي ستشكل أساسًا للدفاع المدني والعسكري ضد الطائرات المسيّرة.
يقول شونمان إن الهجمات التي استهدفت المطارات جزئيًا بطائرات بدون طيار خلال العامين 2025 و2026 يجب اعتبارها “بداية حرب هجينة”، والتي يعيق مكافحتها الفعالة حاليًا قضايا الاختصاص القضائي على المستويين الاتحادي والولائي. وأضاف شونمان : “بدلًا من مجموعة متفرقة من المرافق والمسؤوليات، نحتاج إلى نظام مركزي لكشف الطائرات بدون طيار والدفاع عنها، حيث تُجمع جميع المعلومات”.
أوضح أوليفر دوري، الرئيس التنفيذي لشركة هينسولدت: “تمتلك الشركات المصنعة الألمانية القدرات التكنولوجية اللازمة للدفاع ضد الطائرات المسيّرة. ومع ذلك، لكي نتمكن من التحرك في حال وقوع تهديد، نحتاج إلى بنية تحتية تُنسق بين مختلف الأنظمة الخاصة بكشف الطائرات المسيّرة وتصنيفها ومكافحتها”. ومن المفترض أن تكون المنصة المزمع إنشاؤها قادرة على دمج أنظمة من جميع الشركات المصنعة.
تشديد العقوبات على تعطيل حركة الطيران في المطارات
إضافة إلى تدابير الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، يُشدّد القانون العقوبات على تعطيل حركة الطيران في المطارات التجارية. وسيُعتبر تشغيل الطائرات المسيّرة في المجال الجوي للمطارات جريمة جنائية، بعد أن كان يُعد سابقًا مخالفة بسيطة. كما تستهدف اللوائح الجديدة أعمال الحصار، كتلك التي يقوم بها نشطاء المناخ، الذين عطّلوا حركة الطيران مرارًا وتكرارًا في الماضي.
يواجه مرتكبو هذه الأفعال أحكامًا بالسجن تصل إلى خمس سنوات، على سبيل المثال، إذا قاموا بلصق أنفسهم بمدرج المطار. وأوضح اتحاد المطارات الألماني (ADV)، الذي رحّب باللوائح الجديدة، أن “إدخال الطائرات المسيّرة إلى مدارج المطارات أو التعدي على المناطق ذات الصلة بالسلامة ليس بالأمر الهيّن”.
تشير الحكومة إلى أن المطارات تمثل بنية تحتية حيوية لا تقتصر أهميتها على حركة المسافرين، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد والشحن الجوي والخدمات الطبية الطارئة.
أي تعطيل لحركة الطيران يمكن أن يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة، فضلًا عن تعريض سلامة الركاب والطواقم للخطر. لذلك ترى السلطات أن تشديد العقوبات يشكل رسالة ردع واضحة لكل من يفكر في استخدام الطائرات المسيّرة أو أساليب الاحتجاج التي تمس مباشرة أمن الطيران.
من المتوقع أن يترتب على هذه التعديلات تعزيز التعاون بين الجيش والشرطة وهيئات الطيران المدني، إضافة إلى استثمارات أكبر في أنظمة الرصد والرادارات وتقنيات التشويش. كما قد تدفع التطورات الحالية إلى نقاش أوروبي أوسع حول كيفية التعامل مع تهديدات الطائرات المسيّرة، خاصة في ظل الطبيعة العابرة للحدود لهذه المخاطر.
وفي نهاية المطاف، يعكس التشريع الجديد تحولًا في إدراك طبيعة التهديدات المعاصرة، حيث لم تعد الأخطار تقتصر على الطائرات التقليدية أو الهجمات الكلاسيكية، بل باتت تشمل وسائل صغيرة الحجم، منخفضة التكلفة، لكنها قادرة على إحداث تأثير أمني وسياسي كبير.


