جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تتجه ألمانيا إلى توسيع صلاحيات الاستخبارات والشرطة الاتحادية في ظل ارتفاع مستوى التهديد الإرهابي عبر منحها أدواتٍ جديدةً تعتمد على الذكاء الاصطناعي والمراقبة الرقمية والطائرات المسيَّرة، في إطار تعزيز الأمن ومواجهة التهديدات المتطورة. غير أنَّ هذه الخطوة أثارت جدلًا واسعًا بين مؤيديها، الذين يرونها ضرورةً أمنيةً، ومعارضيها الذين يحذرون من تداعياتها على الحقوق الدستورية والحريات المدنية.
رفع مستوى التهديد الإرهابي
حذَّر وزير الداخلية الاتحادي الألماني، ألكسندر دوبريندت، في 18 يوليو من العام 2026 من تدهور الوضع الأمني في ألمانيا. وأكد في تصريحات لصحيفة “فيلت آم زونتاغ” إنَّه وجد نفسه مضطرًا إلى “رفع مستوى التهديد المجرَّد الذي كان مُعلنًا سابقًا إلى مستوى تهديد مرتفع”.
وأضاف: “وهذا يعني أنَّه يجب توقُّع خطر وقوع هجمات في ألمانيا في أيِّ وقت”. تابع الوزير قائلًا: “إنَّ خطط تنفيذ هجمات ضد بلادنا واضحة المعالم”. وأوضح أنَّ هذه الخطط لا تستهدف البنية التحتية الألمانية فحسب، بل تشمل أشخاصًا أو مؤسسات.
مهام أكثر لأجهزة الاستخبارات
أكد دوبريندت في هذا السياق أهمية أجهزة الاستخبارات، قائلًا: “هدفي هو تطوير أجهزة الاستخبارات لتصبح أجهزة استخبارات حقيقية، بحيث تكون قادرة على المنافسة وقادرة على العمل بالشراكة مع الأجهزة الصديقة في الخارج”. وأضاف أنَّ ذلك قد يعني، في حالات الإرهاب الحادة، أن يتمكن عناصر هيئة حماية الدستور من دخول المنازل وتفتيشها إذا لم تكن قوات الشرطة متاحة في الوقت المناسب.
أوضح السياسي المنتمي إلى الحزب الاجتماعي المسيحي إنَّه قد يكون من الضروري، عند التصدي لأعمال التجسس الأجنبية أو لإحباط هجمات مخطط لها، التلاعب بالمعلومات بشكلٍ متعمد. وينطبق ذلك، على سبيل المثال، إذا كان من الممكن من خلال ذلك تعطيل خطط تنفيذ الهجمات.
ومن المقرر أن يتولى مجلس رقابة مستقل الإشراف على الصلاحيات الجديدة، بحيث يتعين عليه الموافقة مسبقًا على الإجراءات ذات الصلة. وفي الوقت نفسه، شدد دوبريندت على أنَّ الفصل بين أجهزة الاستخبارات والشرطة لن يُلغى. وقال وزير الداخلية: “يبقى اعتقال الأشخاص من اختصاص الشرطة”.
هل تحقق ألمانيا التوازن بين الأمن والخصوصية الرقمية؟
وسَّعت الحكومة الألمانية صلاحيات شرطتها الاتحادية، ولا سيما في استخدام المراقبة، والذكاء الاصطناعي، ووسائل التصدي للطائرات المسيَّرة. لكنَّ خبراء يحذِّرون من تحدياتٍ دستورية. وافق البرلمان الألماني (البوندستاغ) على قانونٍ جديدٍ يوسِّع بشكلٍ كبيرٍ صلاحيات الشرطة الاتحادية، من خلال منحها صلاحية استخدام الطائرات المسيَّرة، والذكاء الاصطناعي، وتعزيز مراقبة الاتصالات. كما يجعل القانون من الأسهل احتجاز المهاجرين المقرر ترحيلهم.
وقالت الحكومة إنَّ القانون وهو أول قانونٍ جديدٍ ينظم عمل الشرطة الاتحادية في ألمانيا منذ عام 1994 يُعد ضروريًا لمواكبة التطورات التكنولوجية، والطبيعة المتغيرة للتهديدات التي تستهدف السلامة العامة.
وفقًا للمنتقدين، فإنَّ تطبيق الشرطة الاتحادية لعمليات المراقبة الجماعية سيعني أنَّ التقنيات وقواعد البيانات التي كانت تُستخدم فقط من قبل أجهزة الشرطة في الولايات، أو في عملياتٍ محددةٍ، يمكن استخدامها بصورةٍ دائمةٍ على مستوى البلاد بأكملها.
ويقول المدافعون عن حقوق الإنسان والخصوصية الرقمية إنَّ القانون ينطوي على مخاطر كبيرة تهدد الحريات الديمقراطية، ومن المرجح أن يتم الطعن فيه أمام المحكمة الدستورية الألمانية. ومع ذلك، قد تستغرق هذه الطعون القانونية سنواتٍ عديدةً، بينما يمكن تنفيذ القانون خلال تلك الفترة.
المراقبة الفورية المدعومة بالذكاء الاصطناعي
ربما يكون العنصر الأهم في قانون الشرطة الاتحادية الجديد هو السماح باستخدام أنظمة التعرف على الوجوه المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الأماكن العامة التي تقع ضمن اختصاص الشرطة الاتحادية، مثل المطارات، ومحطات القطارات بين المدن، والمناطق القريبة من الحدود الألمانية.
سيُسمح للشرطة الاتحادية باستخدام تقنية “التعرف على السلوك” في لقطات المراقبة، وهي نظام ذكاءٍ اصطناعي يُفترض أنه قادر على تقييم ما إذا كان شخصٌ داخل حشدٍ من الناس يتصرف بطريقةٍ تنطوي على تهديد، أو بشكلٍ يثير الشبهات، مثل توجيه لكمةٍ إلى شخصٍ آخر. وإذا رصد النظام هذا السلوك، فإنه يستطيع تنبيه عناصر الشرطة مباشرةً. وقد تعرَّض هذا الإجراء لانتقاداتٍ حادةٍ من أحزاب المعارضة خلال مناقشات البرلمان.
رحبت نقابات الشرطة بهذا الإجراء، لأنه قد يخفف الضغط على الموارد البشرية، لكنه يُعد مثيرًا للجدل في نظر المدافعين عن الحقوق الرقمية، الذين يرون أنه يؤسس لبنيةٍ تحتيةٍ للمراقبة الجماعية. يقول مايكل كولاين، رئيس السياسات في مركز الحقوق الرقمية والديمقراطية، ومقره برلين، في تصريحٍ لـ: “إنها بالفعل خطوةٌ خطيرة، لأنها تُلغي إلى حدٍّ كبيرٍ مبدأ عدم الكشف عن الهوية في الأماكن العامة. هذه إجراءاتٌ نعرفها من الصين، وإيران، وروسيا، لكنها غير معتادةٍ إطلاقًا في السياق الألماني.”
الإجابة الأوروبية على “بالانتير”؟
أوضح ماركوس تيل، أستاذ القانون العام في الجامعة الألمانية للشرطة بمدينة مونستر، إنه يتفهم هذه المخاوف. وأضاف: “لكنني أعتقد أنَّ ذلك يمثل دائمًا رد فعلٍ تلقائيًا. فعندما تُوسَّع صلاحيات الشرطة، توجد دائمًا منظماتٌ ومجموعاتٌ تنتقد ذلك بشدة. ولديها بعض المبررات، لأنَّ هذه التدابير المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتضمن دائمًا احتمال حدوث انتهاكاتٍ خطيرةٍ للحقوق الأساسية.”
وأوضح أنَّ ذلك يعود خصوصًا إلى استحالة معرفة المواطنين للطريقة التي تُقرأ بها بياناتهم أو تُعالج بواسطة تقنيات المراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي، في حين أنَّ المواطنين في ألمانيا يتمتعون بحق الوصول إلى بياناتهم ومعرفة كيفية استخدامها.
وقال: “لهذا السبب من المهم جدًا أن تُصاغ مثل هذه اللوائح بما يتوافق مع الحقوق الأساسية. أتفهم الانتقادات، لكنني أرى أيضًا أننا بحاجةٍ إلى هذه الأدوات. وأعتبرها، من حيث المبدأ، غير مثيرةٍ للمشكلات، طالما أنها صيغت بصورةٍ جيدة.”
لكنَّ النشطاء يشعرون بالقلق لأنَّ القانون الجديد يمنح الشرطة مساحةً أكبر لاستخدام برامج المراقبة داخل أجهزة المستخدمين، فيما تصفه الحكومة بأنه “مراقبةٌ وقائية”. وقال كولاين: “هذا، بطبيعة الحال، ينطوي على خطر انتقال بياناتٍ حساسةٍ إلى أيدي الأجهزة الأمنية. وفي أسوأ السيناريوهات، يصبح الأمر كما لو أنهم يستطيعون قراءة يومياتك الشخصية.”
الطائرات المسيَّرة: متى تُستخدم ومتى يتم إسقاطها؟
ينظم القانون الجديد كيفية ومتى يُسمح للشرطة الاتحادية باستخدام الطائرات المسيَّرة. وأوضح تيل أنَّ هذا الإطار القانوني الجديد مهم، لأنَّ “التدخل في الحقوق الأساسية يكون، بطبيعة الحال، أكبر بكثيرٍ عند استخدام طائرةٍ مسيَّرةٍ تستطيع مراقبة كل شيءٍ من السماء، مقارنةً بكاميرا ثابتة.” ويتيح القانون نشر الطائرات المسيَّرة خلال الفترات التي تشهد ازدحامًا كبيرًا في محطات القطارات، وكذلك بالقرب من الحدود.
وبالمثل، يحدد القانون الإجراءات التي يمكن للشرطة اتخاذها إذا اعتُبرت طائرةٌ مسيَّرةٌ غير مأهولة تمثل تهديدًا، وهو أمرٌ عُدَّ مهمًا بعد سلسلة مشاهدات الطائرات المسيَّرة التي تسببت العام 2025 في اضطراباتٍ داخل المطارات في ألمانيا وأوروبا. وبات بإمكان الشرطة الآن استخدام أجهزة التشويش، والنبضات الكهرومغناطيسية، وحتى الأسلحة النارية في مثل هذه الحالات، وإن كان ذلك، بحسب تيل، لا يُلجأ إليه إلا كخيارٍ أخير.


