الأكثر قراءة

ألمانيا تسرع خطواتها نحو بناء قوة ردع أوروبية أكثر استقلالًا

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تسارع ألمانيا إلى تعزيز قدراتها الدفاعية عبر مسارات متعددة تشمل تطوير أسلحة بعيدة المدى، والانخراط في مشروعات جوية متقدمة، وتوسيع انتشار قواتها على الجناح الشرقي لحلف الناتو، في ظل تصاعد المخاوف الأمنية في أوروبا وتراجع الاعتماد على المظلة العسكرية الأمريكية، وتعكس هذه التحركات توجهًا ألمانيًا متزايدًا نحو بناء قدرات ردع مستقلة وتعزيز دورها العسكري داخل المنظومة الأوروبية الأطلسية.

إدارة التسليح في وزارة الدفاع توجه اهتمامها إلى شركات أصغر

تسعى ألمانيا على ما يبدو إلى التوجه نحو إسرائيل وأوكرانيا لشراء صواريخ كروز منخفضة التكلفة وبعيدة المدى تحتاجها لتعزيز قدراتها على ردع روسيا. ويستند ذلك إلى وثائق تخطيط صادرة عن وزارة الدفاع، وفقًا لما أورده موقع “بوليتيكو”.

وبحسب التقرير، اكتسب هذا التوجه أهمية إضافية بعد أن قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم نشر وحدة عسكرية مزودة بصواريخ كروز بعيدة المدى من طراز “توماهوك” في ألمانيا. ونتيجة لذلك، وجهت إدارة التسليح في وزارة الدفاع اهتمامها إلى شركات أصغر حجمًا، مثل الشركة الأوكرانية “فاير بوينت” والشركة الإسرائيلية “كوفينانت”.

شركة إسرائيلية تدخل دائرة الاهتمام

ذكرت التقارير أن هيئة المشتريات التابعة لوزارة الدفاع طلبت من شركة “كوفينانت” تقديم مقترحات لمنتجاتها. وتخطط الشركة الإسرائيلية الأمريكية، غير المعروفة على نطاق واسع، إلى إنشاء شبكة أوروبية للتوريد والإنتاج تشمل مواقع تصنيع في ألمانيا وبريطانيا.

ومن بين المستثمرين الداعمين لشركة “كوفينانت” شركة رأس المال الاستثماري الأمريكية “فاوندرز فاند”، إضافة إلى شركة “أندريسن هورويتز”. ومن المقرر اختبار نظام الصواريخ الخاص بالشركة، المعروف باسم “أنثم”، خلال يونيو من العام 2026 في إسرائيل. كما تمت دعوة ممثلين عن وزارة الدفاع الألمانية لمتابعة الاختبار، بحسب “بوليتيكو”.

برلين تراهن على شركاء متعددين

يبدو أن الشركات الأوكرانية أصبحت كذلك محل اهتمام متزايد من جانب برلين. وتشير الوثائق التي اطلعت عليها “بوليتيكو” إلى صاروخ الكروز منخفض التكلفة “فلامينغو” الذي تطوره شركة “فاير بوينت”، إضافة إلى صاروخ الطائرات المسيرة “بارس” الذي تنتجه شركة أوكرانية لم يُكشف عن اسمها. ووفقًا للتقرير، تُظهر الوثائق أن ألمانيا تبحث عن صواريخ كروز يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة، وتكون منخفضة التكلفة وسريعة الجاهزية التشغيلية.

وتوضح وثائق التخطيط أن ألمانيا تتبع أربعة مسارات لتطوير قدراتها الهجومية البرية بعيدة المدى: المسار الأول يتمثل في شراء نظام الإطلاق الأمريكي “تايفون”، وهو نظام أرضي قادر على إطلاق صواريخ “توماهوك” كروز، مع توقع تحقيق القدرة التشغيلية الأولى بحلول عام 2029. المسار الثاني يشمل شراء صواريخ كروز منخفضة التكلفة يُفترض أن تكون متاحة بدءًا من عام 2027.

أما المساران الآخران فيتمثلان في مشروعات تطوير أوروبية طويلة الأمد بالتعاون مع بريطانيا: صاروخ كروز متطور من المتوقع دخوله الخدمة بحلول عام 2032. ومركبة انزلاقية فرط صوتية (هايبرسونيك) يُنتظر تطويرها بحلول عام 2035.

مشاركة ألمانيا في برنامج “GCAP”

بعد تعثر مشروع المقاتلة المشتركة بين ألمانيا وفرنسا (FCAS)، برزت أمام برلين فرصة جديدة للتعاون في مجال الطيران القتالي عبر الانضمام إلى برنامج دولي تقوده إيطاليا وبريطانيا واليابان. وفي هذا السياق، صرح لورينزو مارياني، رئيس شركة ليوناردو الإيطالية للصناعات الدفاعية الخاضعة لسيطرة الدولة، لصحيفة “فاينانشال تايمز”، بأن مشاركة ألمانيا في برنامج “القتال الجوي العالمي” (GCAP) الذي تنفذه إيطاليا وبريطانيا واليابان تبقى خيارًا واردًا.

وقال مارياني: “إذا أُريد الآن ضم دولة جديدة تتمتع بالحقوق نفسها التي تتمتع بها الدول الثلاث الأخرى، فقد يكون ذلك مزعجًا بعض الشيء”، لكنه أضاف أن “الفوائد طويلة الأمد واضحة”. وأوضح أن هناك بالفعل توزيعًا متفقًا عليه للأدوار بين الشركاء الثلاثة، إلا أن شركة ليوناردو وشركة BAE Systems البريطانية سبق لهما التعاون بنجاح مع قطاع الدفاع التابع لشركة إيرباص في ألمانيا ضمن برنامج المقاتلة الأوروبية “يوروفايتر تايفون”.

دعوة ألمانية غير مباشرة للانضمام

وأضاف مارياني: “سأكون سعيدًا إذا شاركت أجزاء من الصناعة الألمانية في أنشطتنا”. وأشار إلى أن مثل هذه البرامج الدفاعية الكبرى تتطلب استثمارات مالية ضخمة، قائلًا: “عادةً ما تستهلك هذه المشروعات أموالًا أكثر مما يمكن توقعه في البداية.

لذلك فإن وجود شريك إضافي يمتلك موارد مالية وقدرات صناعية سيكون مفيدًا”. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن انضمام ألمانيا إلى المشروع في هذه المرحلة المتقدمة سيتطلب مفاوضات مكثفة بين الأطراف المشاركة. في المقابل، أبدت اليابان تحفظًا أكبر تجاه فكرة إشراك شركاء جدد في البرنامج. وتخشى طوكيو أن يؤدي توسيع دائرة المشاركين إلى تأخير الجدول الزمني للمشروع، الذي يستهدف إدخال المقاتلة الجديدة إلى الخدمة بحلول عام 2035.

أما في بريطانيا، فتسود بعض المخاوف المرتبطة بمستقبل المشروع. فقد استقال وزير الدفاع جون هيلي مؤخرًا، منتقدًا ما اعتبره عدم استعداد الحكومة لتوفير “الموارد اللازمة التي تحتاجها البلاد للدفاع عن نفسها في ظل تزايد التهديدات”. ورغم هذه التطورات، أعرب مارياني عن ثقته باستمرار البرنامج دون تقليص أو قيود، مؤكدًا أن “الطيران القتالي يمثل مجالًا بالغ الأهمية بالنسبة لبريطانيا، ولن تتخلى عنه أبدًا كأولوية”.

برلين تبحث عن بديل بعد تعثر FCAS

وكانت الحكومة الألمانية وشركة إيرباص قد أعلنتا في وقت سابق أن ألمانيا تعتزم إما قيادة مشروع جديد لتطوير مقاتلة مستقبلية أو الانضمام إلى مشروع قائم بالفعل.وأوضحتا أن خيار الانضمام إلى برنامج قائم يظل مطروحًا، شريطة أن يكون الدور الألماني “جوهريًا” وأن يتناسب مع “المساهمة المالية التي تقدمها ألمانيا” في المشروع.

إلزام بعض الجنود بالخدمة على الجناح الشرقي لحلف الناتو

من المقرر أن يتمركز 4.800 جندي ألماني في ليتوانيا بحلول نهاية عام 2027. ويعتمد وزير الدفاع على مبدأ التطوع، لكنه أقر بأن هذا النهج قد يواجه حدودًا معينة. وأكد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) أن اللواء المدرع الألماني في ليتوانيا، الذي سيضم 4.800 جندي، سيكون جاهزًا بالكامل للقيام بمهامه بحلول نهاية عام 2027.

وخلال زيارته لأول تدريب ميداني للقوة في منطقة بابراده قرب الحدود مع بيلاروسيا، شدد على أنه سيلجأ إلى إلزام بعض الجنود بالخدمة على الجناح الشرقي لحلف الناتو إذا لم يتقدم عدد كافٍ من المتطوعين في التخصصات الحساسة. وتابع: “الجاهزية القتالية لها الأولوية القصوى”. وكان بيستوريوس قد أوضح في مقابلة مع شبكة ARD قبل رحلته أن التقديرات الحالية تشير إلى أن “90 إلى 95 بالمئة على الأرجح سيتطوعون للخدمة” في ليتوانيا.

تعزيز الجناح الشرقي للناتو

وجاء قرار نشر اللواء المدرع في ليتوانيا ضمن تعهد قدمته الحكومة الألمانية ردًا على التهديدات المتزايدة من جانب روسيا والانسحاب الأمريكي المقرر. ويُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها عنصرًا محوريًا في تعزيز الجناح الشرقي لحلف الناتو، ووسيلةً للمساهمة في ردع أي تهديد والدفاع عن أراضي الحلف. ومن المقرر أن يحظى التشكيل العسكري، الذي سيضم 4.800 جندي، بدعم نحو 200 موظف مدني.

وحتى الآن، يتمركز في ليتوانيا نحو 1.800 فرد من القوات المسلحة الألمانية. وبحسب وزير الدفاع، فإن جميع الجنود الذين توجهوا حتى الآن إلى الخدمة الخارجية فعلوا ذلك طوعًا. إلا أن اختناقات محتملة قد تظهر في مجالات متخصصة مثل التكنولوجيا والخدمات اللوجستية والدفاع ضد المخاطر النووية والبيولوجية والكيميائية.

وأوضح أن عدد المرشحين المحتملين في هذه التخصصات أقل بكثير مقارنة بالقوات القتالية. وأضاف أنه إذا لم تكن أعداد المتطوعين كافية، فستُجرى أولًا مقابلات ومناقشات مع الأفراد المعنيين، “وفي نهاية المطاف قد يتم إصدار أوامر إلزامية بالخدمة”.

مفتش الجيش الألماني: الجيوش لا تعتمد فقط على الخدمة التطوعية

أشار مفتش الجيش الألماني، الفريق كريستيان فرويدينغ، خلال وجوده في بابراده، إلى أن الجيوش لا تعتمد فقط على الخدمة التطوعية، وأن الجنود معتادون على تنفيذ الأوامر العسكرية. وقال: “سنضمن حصولهم على مهمتهم في الوقت المناسب وفي المكان المناسب. وسنكون جاهزين للعمليات بحلول نهاية عام 2027. هذا أمر محسوم”.

وأضاف أن ليتوانيا يمكنها الاعتماد على ذلك. ويُعد نشر هذا اللواء خطوة غير مسبوقة بالنسبة للجيش الألماني. فعلى عكس جميع المهام الخارجية السابقة، يتعلق الأمر هذه المرة بتمركز دائم لتشكيل عسكري كبير خارج الأراضي الألمانية.

تسارع في بناء البنية التحتية العسكرية

سيكون المقر الرئيسي للواء في منطقة رودنينكاي القريبة من الحدود مع بيلاروسيا. وستُقام الثكنة العسكرية داخل منطقة غابات أُعلنت في مايو 2022، بعد وقت قصير من بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2026، ميدانًا للتدريب العسكري للجيش الليتواني بموجب قانون خاص. وعلى بعد نحو 35 كيلومترًا من العاصمة فيلنيوس، يجري إنشاء مدينة عسكرية متكاملة للقوات الألمانية بالقرب من قرية صغيرة.

وعلى مسافة لا تتجاوز 1,5 كيلومتر من مركز القرية التي يبلغ عدد سكانها نحو 500 نسمة، تُبنى ثكنات ومستودعات للأسلحة والذخائر ومرافق لوجستية وقاعات مخصصة لإيواء وصيانة الدبابات والمركبات القتالية الأخرى. وتتواصل الأعمال بوتيرة متسارعة في أكبر مشروع للبنية التحتية العسكرية في تاريخ ليتوانيا، حيث أُنجزت بالفعل بعض المنشآت الأولى.

وأكدت الحكومة في فيلنيوس مرارًا أن البنية التحتية التي تمولها ليتوانيا من أجل تمركز اللواء ستكون جاهزة في الموعد المحدد، بل إنها تتقدم على الجدول الزمني بعدة أشهر. وشدد وزير الدفاع الليتواني روبرتاس كاوناس، عقب لقائه بيستوريوس، على أن بلاده ستبذل كل ما في وسعها لتوفير البنية التحتية العسكرية والمدنية اللازمة للجنود الألمان.

https://hura7.com/?p=80644

 

 

الأكثر قراءة