جريدة الحرة بيروت
DW ـ رحّلت ألمانيا 23 رجلاً أفغانياً إلى كابول على متن طائرة مستأجرة، بينهم مدانون بجرائم عنيفة وجنسية، وفق وزارة الداخلية. الخطوة تأتي ضمن تشديد برلين سياسة الهجرة.
رحّلت ألمانيا 23 رجلاً أفغانياً في طائرة مستأجرة متجهة إلى كابول الثلاثاء (25 آب/ أغسطس 2026)، وقالت الحكومة إن معظم المرحلين من المجرمين المدانين بجرائم عنيفة. وأظهر مقطع فيديو نشرته صحيفة “بيلد” الرجال وهم يصعدون إلى الطائرة في مطار لايبزيغ قبل الفجر. واستقبلت ألمانيا ملايين اللاجئين وطالبي اللجوء مدى العقد الماضي، لكن المستشار فريدريش ميرتس تعهّد وقف هذا التوجه، وكثّف عمليات التفتيش على الحدود وعمليات الترحيل. وفي ما يتعلق بالأفغان، أعطت برلين الأولوية لترحيل المجرمين، لكنها أعادت في تموز/ يوليو أول مواطن أفغاني ليس لديه سجل جنائي، بعد رفض طلب لجوئه.
وقالت وزارة الداخلية الألمانية على إكس “تم ترحيل 23 رجلاً أفغانياً، مطلوب منهم مغادرة البلاد، إلى كابول صباح اليوم على متن رحلة مستأجرة”. وأضافت أن “معظم هؤلاء الأفراد مدانون بجرائم خطيرة، من بينها جرائم جنسية وإلحاق أذى جسدي”. وصرح وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت “لمجتمعنا مصلحة واضحة في الحرص على أن يغادر المجرمون بلدنا”. كما أكد أن “أي شخص لا يملك حق الإقامة في ألمانيا يجب أن يتوقع مغادرة البلاد. ونحن ننفذ هذا الإجراء باستمرار”. وسألت وكالة فرانس برس وزارة الداخلية عن عدد المدانين من بين الرجال الأفغان الـ23، لكنها لم تتلق ردا بعد. ولا تعترف الحكومة الألمانية رسميا بسلطات طالبان التي تولت الحكم في كابول قبل خمس سنوات، إلا أنها تفاوضت مع كابول بشأن عمليات الترحيل.
انتقادات حقوقية
وصرح ميرتس بأنه يأمل أن تساعد سياسات الهجرة الأكثر صرامة كتلته المحافظة، تحالف الاتحاد الديموقراطي المسيحي/ الاتحاد الاجتماعي المسيحي، والذي ينتمي إليه دوبرينت أيضاً، على مواجهة التحدي الذي يمثله حزب البديل من أجل ألمانيا الشعبوي اليميني المصنف جزئيا متطرفا.
وانتقدت منظمات لحقوق الإنسان عمليات الترحيل إلى أفغانستان، حيث تفرض سلطات طالبان تفسيراً متشدداً للشريعة الإسلامية ، إذ يتوقف تعليم الفتيات عند سن الثانية عشرة وتُفرض قيود عديدة على النساء. وقالت مجموعة “تحالف مناهضة الترحيل” الحقوقية إن نحو 50 شخصاً احتشدوا في المطار احتجاجاً على عملية الترحيل، معتبرة أنها “شديدة الخطورة” على ركاب الطائرة. رفع عدد من المتظاهرين في المطار لافتة كُتب عليها “أوقفوا الترحيل – اللاجئون مرحب بهم”. وقال المتحدث باسم المجموعة كاي عديل لوكالة فرانس برس “يُرحّل الأفغان الذين يلتمسون الحماية هنا، إلى نظام طالبان، حيث يواجهون الإقصاء والتعذيب، بل حتى الموت”.
هل تتحول سياسة الترحيل الألمانية إلى نهج أكثر تشددًا؟
يعكس ترحيل 23 أفغانيًا إلى كابول تحولًا تدريجيًا في مقاربة برلين لملف الهجرة، حيث لم تعد عمليات الإعادة مجرد أداة قانونية لتنفيذ قرارات رفض اللجوء، بل أصبحت جزءًا من خطاب أمني وسياسي أوسع. وتركيز الحكومة على المدانين بجرائم عنيفة وجنسية يمنحها مبررًا قويًا أمام الرأي العام. لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام توسيع مفهوم “الأولوية الأمنية” ليشمل فئات أخرى من المهاجرين الذين لا يملكون حق الإقامة. ويأتي ذلك في بيئة سياسية أصبحت فيها الهجرة قضية انتخابية حساسة، ما يجعل قدرة الحكومة على تنفيذ عمليات الترحيل عنصرًا مهمًا في إثبات قدرتها على فرض قواعد أكثر صرامة، ومنافسة الخطاب المتشدد الذي يستفيد منه حزب البديل من أجل ألمانيا.
ويبدو أن التحدي الأكبر أمام برلين لا يتعلق بتنفيذ الترحيل بحد ذاته، وإنما بالحدود التي يمكن أن تصل إليها هذه السياسة. فإعادة المدانين بجرائم خطيرة قد تحظى بقبول أوسع داخل المجتمع، لكن توسيع عمليات الإعادة إلى أشخاص لم تثبت بحقهم جرائم يضع الحكومة أمام أسئلة قانونية وحقوقية أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما تكون وجهة الترحيل دولة تعاني من أوضاع سياسية وإنسانية شديدة الحساسية. ومن هنا، قد تتحول السياسة الجديدة إلى اختبار لقدرة الحكومة الألمانية على الفصل بين التشدد في مواجهة الهجرة غير النظامية وبين الالتزام بمبادئ الحماية الدولية، لأن أي توسع غير منضبط في عمليات الترحيل قد يضع برلين في مواجهة انتقادات داخلية وأوروبية واسعة.
كما أن التعامل مع أفغانستان يكشف مفارقة سياسية لافتة؛ فألمانيا لا تعترف رسميًا بسلطات طالبان، لكنها تضطر عمليًا إلى التواصل معها لتأمين عمليات الإعادة. وقد يصبح هذا المسار أكثر تعقيدًا إذا توسعت عمليات الترحيل مستقبلًا، لأن الحاجة الأمنية والسياسية إلى تنفيذ قرارات المغادرة ستفرض على برلين الحفاظ على قنوات اتصال مع كابول، حتى في ظل استمرار الخلافات حول سجل طالبان في مجال حقوق الإنسان والحريات.
لذلك قد تشكل عمليات الترحيل المقبلة اختبارًا مزدوجًا لحكومة ميرتس: قدرتها على الوفاء بتعهداتها الداخلية بشأن تشديد الهجرة، وقدرتها في الوقت نفسه على إدارة التناقض بين متطلبات السياسة الأمنية الألمانية والالتزامات الحقوقية التي تفرضها البيئة الأوروبية والدولية.


