جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تثير عمليات التخريب التي تستهدف البنية التحتية الحريق كخطوط السكك الحديدية الرئيسية في غرب ألمانيا تساؤلات واسعة بعد ظهور مؤشرات على أنه قد يكون عملًا إرهابيًا بدوافع سياسية. ومع تبني مجموعة يسارية متطرفة للهجوم، اتسعت التحقيقات لكشف ملابساته وانعكاساته على أمن البنية التحتية والنقل في البلاد.
هجمات إرهابية على البنية التحتية الألمانية
شهدت حركة القطارات في غرب ألمانيا اضطرابًا كبيرًا خلال يومي 10 و11 يوليو من العام 2026، بعدما اشتعلت النيران في غرفة كابلات على أحد خطوط السكك الحديدية الرئيسية. ويبدو أن الحرارة أو عطلًا تقنيًا لم يكونا سبب الحريق. في 10 يوليوم منالعام 2026، وعلى خط السكك الحديدية بين مدينتَي كولونيا ودوسلدورف، اشتعلت النيران في المنحدر الترابي بمحاذاة السكة في موقعين بين لانغنفيلد وليفركوزن.
وتدخلت فرق الإطفاء وتمكنت من إخماد الحرائق. ومع ذلك، كان حجم الأضرار هائلًا. فبحسب دويتشه بان، دمّرت النيران عدة كابلات للإشارات، مما أدى إلى توقف حركة القطارات بالكامل على هذا المقطع من الخط. وبعد أعمال إصلاح واسعة، عادت حركة القطارات إلى طبيعتها.
لكن المؤشرات تتزايد على أن موجة الحر في ألمانيا أو عطلًا تقنيًا لم يكونا السبب في اندلاع حرائق المنحدرات. ويشتبه المحققون في أن عملًا تخريبيًا أدى إلى شل هذا الخط الحديدي المهم في ولاية شمال الراين-وستفاليا غربي ألمانيا.
اليسار المتطرف يتبنى الهجمات
ظهر بيان يُشتبه في أنه إعلانٌ لتبنّي الهجوم على منصة indymedia.org اليسارية. ونُشر البيان باسم “كوماندو أنغري بيردز”. وقد ارتبطت هذه المجموعة اليسارية المتطرفة عدة مرات سابقًا بهجمات استهدفت خطوط السكك الحديدية. وفي الرسالة المنشورة على الإنترنت، تفاخر أفراد المجموعة بأنهم مسؤولون “عن تخريب خط السكك الحديدية شمال ليفركوزن”.
وأضافوا أنهم زرعوا عبوات حارقة داخل غرفة كابلات كبيرة عند أحد الجسور، وكذلك داخل غرفة أصغر. وبررت المجموعة الهجوم بوجود “موت جماعي” ناجم عن “التصعيد التكنولوجي”، وقالت إنه يجب وضع حد لذلك. تفترض الأوساط الأمنية أن البيان حقيقي، كما يُعد احتمال أن يكون عطلٌ تقني قد تسبب في اندلاع حريق المنحدرات على طول خط السكك الحديدية احتمالًا ضعيفًا للغاية.
وكانت شرطة أمن الدولة التابعة لشرطة كولونيا قد تولت بالفعل التحقيقات منذ 10 يوليو من العام 2026، نظرًا إلى عدم استبعاد وجود دوافع سياسية.
تخريب متعمد
أكد وزير داخلية ولاية شمال الراين-وستفاليا، هربرت رويل، تعليقًا على الهجوم الجديد بالحرق: “مثل هذه الأفعال ليست احتجاجًا، بل تخريبٌ متعمد”. وأضاف أن هذه الأعمال تؤثر في الحياة اليومية لكثير من المواطنين، وتتقبل وقوع “أضرار جانبية” عن عمد. وأضاف رويل: “هؤلاء الفوضويون يزعمون أنهم يريدون إقامة عالمٍ أفضل للنباتات والحيوانات والبشر. ثم يرتكبون هجومًا بالحرق، في هذا التوقيت بالذات الذي يسود فيه الجفاف في كل مكان”.
وتابع: “يكفي هذا وحده ليتضح أن هؤلاء الأشخاص لا يريدون عالمًا أفضل. إنهم يريدون الفوضى. إنهم يسعون إلى استبدال السياسة بالعنف”، معربًا عن استيائه، وأضاف: “لن نقبل بذلك.”
عدة هجمات نفذتها “أنغري بيردز“
كانت المجموعة اليسارية المتطرفة “كوماندو أنغري بيردز” قد أعلنت قبل نحو عام مسؤوليتها عن هجوم استهدف كذلك خط السكك الحديدية الرئيسي بين دوسلدورف ودويسبورغ. وهناك كذلك، في يوليو من العام 2025، أُضرمت النيران في عبوات حارقة، مما أدى إلى إغلاق هذا الخط الحيوي لأيام. وفي مطلع يناير من العام 2026، أعلنت المجموعة كذلك مسؤوليتها عن محاولة استهداف محطة تحويل كهربائي في مدينة إركراث قرب دوسلدورف.
إلا أن الهجوم فشل. وكان وزير داخلية الولاية، رويل، قد حمّل المجموعة في العام 2025 مسؤولية أعمال تخريب أخرى. ومن بينها هجمات على أبراج اتصالات في منطقة لانغنفيلد/إركراث، وحريق داخل نفق على الطريق السريع 46. وأوضح أن التحقيقات تُجرى بجهدٍ كبير، لكنها ليست سهلة تمامًا، لأن الأمر لا يتعلق بمجموعة ذات هيكل تنظيمي ثابت.
ويُعتقد أن عناصر من اليسار المتطرف يقفون وراء الهجوم الذي استهدف شبكة الكهرباء في برلين بشرق ألمانيا خلال يناير من العام 2026. فقد أدى حريق اندلع في جسرٍ للكابلات إلى انقطاع إمدادات الطاقة الكهربائية لأيام في حي شتيغليتس-تسيليندورف. وبقي نحو 100 ألف شخص في جنوب غرب العاصمة الألمانية، وفي قلب فصل الشتاء، من دون تدفئة أو إنارة داخل منازلهم. وكان ذلك أطول انقطاع للتيار الكهربائي تشهده برلين منذ الحرب العالمية الثانية.
تحذيرات الاستخبارات الألمانية
يحذر المكتب الاتحادي لحماية الدستور قطاع الطاقة من مخاطر جديدة، حيث تنامت الهجمات من قبل متطرفين يساريين ويدعو بيان أمني حديث صادر عن مكتب حماية الدستور (BfV) قطاع الطاقة إلى زيادة اليقظة واتخاذ تدابير وقائية محددة الأهداف.
وقد دعا المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) المسؤولين التنفيذيين في شركات الطاقة الألمانية إلى اتخاذ تدابير وقائية ضد الهجمات، والتدخل الأجنبي، والاختراق الإلكتروني. وفي بيان أمني حديث أُرسل إلى جمعيات الأعمال والمسؤولين الحكوميين، تناول المكتب الاتحادي لحماية الدستور ثلاثة سيناريوهات تهديد على وجه التحديد.
ما هي سيناريوهات التهديد؟
تتمثل سيناريوهات التهديد التي تواجه قطاع الطاقة في عدة محاور رئيسية تعكس طبيعة التحديات الأمنية الحديثة وتعقيداتها المتزايدة. أول هذه السيناريوهات هو هجمات المتطرفين اليساريين على البنية التحتية للطاقة، حيث تستهدف هذه الجماعات منشآت حيوية مثل محطات الكهرباء وخطوط النقل والتوزيع. وتعد هذه الهجمات محاولة لإحداث اضطراب مباشر في إمدادات الطاقة، مما يؤدي إلى تعطيل الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المجتمع بشكل يومي.
كما أن هذه الجماعات تنظر إلى شركات الطاقة باعتبارها جزءا من نظام اقتصادي تعتبره غير عادل، وهو ما يدفعها إلى استهداف تلك الشركات بشكل متعمد. الهجوم الذي وقع في برلين في يناير 2026 يمثل مثالا واضحا على هذا النوع من التهديدات، حيث أظهر قدرة هذه الجماعات على التخطيط والتنفيذ وإحداث تأثير ملموس.
يتمثل السيناريو الثاني في الهجمات الإلكترونية التي تشنها أجهزة الاستخبارات الأجنبية، إلى جانب ما يعرف بالناشطين الإلكترونيين. هذا النوع من التهديدات يعد من أخطر التحديات، نظرا لاعتماده على التكنولوجيا الحديثة وصعوبة تتبعه أو منعه بشكل كامل. تهدف هذه الهجمات إلى تعطيل الأنظمة الرقمية التي تدير شبكات الطاقة، مثل أنظمة التحكم الصناعية وقواعد البيانات، مما قد يؤدي إلى انقطاع واسع النطاق في الخدمات.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى هذه الجهات إلى تقويض ثقة المواطنين في قدرة الدولة على إدارة المرافق الحيوية، وهو ما قد يخلق حالة من القلق وعدم الاستقرار. وتكمن خطورة هذه الهجمات في إمكانية تنفيذها عن بعد دون الحاجة إلى وجود مادي على الأرض، مما يزيد من تعقيد مواجهتها.
يتعلق السيناريو الثالث بالاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي الأحادي الجانب على دول أخرى. في هذا السياق، قد تعتمد دولة ما بشكل كبير على دولة أخرى في توفير التكنولوجيا أو الموارد أو حتى الاستثمارات المرتبطة بقطاع الطاقة. ورغم أن هذا الاعتماد قد يبدو طبيعيا، إلا أنه قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية في حالات التوتر أو الصراع السياسي.
إذ يمكن للدولة الموردة استخدام هذا الاعتماد كوسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، مثل فرض شروط معينة أو التهديد بقطع الإمدادات. وعلى المدى الطويل، قد يؤدي هذا الوضع إلى تقليص قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة في مجالي السياسة الخارجية والأمن.


