جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن الحرب في إيران ليست شأن حلف “الناتو”، مؤكدا أن ألمانيا لن تشارك في هذه الحرب، في تصعيد للخلاف مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقال ميرتس في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس وزراء هولندا روب ييتن في برلين: “من الواضح أن هذه الحرب ليست شأن الناتو. إنها ليست حربه”، وأضاف: “نحن لا نشارك فيها. وهكذا يبقى الأمر بالنسبة للحكومة الألمانية”. وجاء موقف ميرتس متوافقا مع تصريحات وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، الاثنين، الذي رفض مطالبة ترامب بتقديم دعم عسكري في الحرب ضد إيران. وقال بيستوريوس في برلين: “ما الذي يتوقعه دونالد ترامب من واحدة أو اثنتين من الفرقاطات الأوروبية أن تفعله في مضيق هرمز يعجز الأسطول الأمريكي القوي عن فعله؟”. وأضاف: “هذه ليست حربنا، ولم نبدأها”.
تأتي هذه التصريحات بعد ساعات من تحذير ترامب في مقابلة مع صحيفة “فاينانشيال تايمز” من أن مستقبل الحلف سيكون “سيئا جدا” إذا لم تقدم الدول الأعضاء المساعدة للولايات المتحدة في فتح مضيق هرمز. غير أن بيستوريوس استبعد انهيار الحلف بسبب هذه الخلافات، مؤكدا أن مثل هذا السيناريو غير وارد. يأتي هذا في وقت تشن فيه الولايات المتحدة وإسرائيل حربا واسعة على إيران منذ 28 فبراير، مع استمرار تبادل الضربات الصاروخية والمسيرات، وتوسع رقعة الصراع ليشمل عدة دول في المنطقة.
تصدع “وحدة الناتو” أمام استراتيجية “أمريكا أولاً”
يعكس الرفض الألماني القاطع لمطالب دونالد ترامب بداية شرخ بنيوي داخل حلف الشمال الأطلسي، حيث تسعى برلين وحلفاؤها الأوروبيون، مثل هولندا، إلى رسم حدود فاصلة بين التزامات الدفاع المشترك (المادة الخامسة) وبين الانجرار إلى مغامرات عسكرية أمريكية خارج النطاق الجغرافي للحلف. إن استشهاد الوزير بيستوريوس بـ “الفرقاطات الأوروبية” مقابل “الأسطول الأمريكي” ليس مجرد تقليل من الجدوى العسكرية، بل هو إعلان سياسي عن رفض التبعية المطلقة لواشنطن في حرب يراها الأوروبيون نتيجة لقرارات أحادية الجانب اتخذها البيت الأبيض منذ 28 فبراير. هذا الاستقطاب يضع الناتو أمام اختبار وجودي؛ فبينما يلوح ترامب بـ “مستقبل سيئ” للحلف، تراهن ألمانيا على صمود الهيكل التنظيمي للناتو بعيداً عن صراعات الشرق الأوسط، مما قد يؤدي إلى نشوء “كتلة دفاعية أوروبية” أكثر استقلالاً وقدرة على قول “لا” لواشنطن.
مضيق هرمز.. من ممر تجاري إلى ساحة كسر إرادة سياسي
يمثل التركيز على “مضيق هرمز” في تصريحات ترامب وميرتس جوهر الصراع الحالي؛ فبالنسبة لترامب، فإن تأمين الملاحة الدولية هو “فاتورة” يجب على الحلفاء دفعها مقابل الحماية الأمريكية، بينما تراه برلين “فخاً عسكرياً” قد يحول القوات الأوروبية إلى أهداف مباشرة للصواريخ الإيرانية دون وجود تفويض دولي أو ضرورة دفاعية وطنية. إن إصرار ميرتس على أن الحرب “ليست شأن الناتو” يهدف إلى حماية الاقتصاد الألماني المتعثر من تبعات الانخراط المباشر في نزاع طاقة واسع النطاق، وفي الوقت نفسه يرسل إشارة إلى طهران بأن أوروبا ليست طرفاً في “الحرب الشاملة” التي تشنها واشنطن وتل أبيب. هذا الموقف الألماني المتصلب قد يشجع دولاً أوروبية أخرى على اتخاذ مسافات أمان مماثلة، مما قد يترك الولايات المتحدة وحيدة في مواجهة التبعات الطويلة الأمد لحرب الاستنزاف مع إيران، ويزيد من حدة التوتر الدبلوماسي عبر الأطلسي إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود.
“حياد برلين” وفراغ القيادة الغربية في صراع الشرق الأوسط
يمنح موقف المستشار ميرتس المتصلب رسالة ضمنية إلى طهران والقوى الإقليمية بأن الجبهة الغربية ليست “كتلة صلبة” في الحرب الدائرة منذ 28 فبراير، مما قد يضعف استراتيجية “الضغط الأقصى” التي يحاول ترامب فرضها عبر تدويل الصراع في مضيق هرمز. هذا الانكفاء الألماني، المدعوم برفض بيستوريوس إرسال الفرقاطات، لا يحمي ألمانيا عسكرياً فحسب، بل يجرّد واشنطن من “الغطاء الشرعي والأطلسي” الذي تحتاجه لتحويل مواجهتها مع إيران إلى قضية أمن عالمي. وفي ظل تمدد الصراع ليشمل جبهات متعددة، فإن هذا التصدع داخل الناتو قد يغري أطرافاً دولية أخرى، كالصين وروسيا، لملء الفراغ الدبلوماسي الناتج عن “الخلاف العابر للأطلسي”، مما يحول الحرب الحالية من مواجهة عسكرية مباشرة إلى صراع نفوذ طويل الأمد، تدفع فيه الولايات المتحدة ثمن انفرادها بالقرار العسكري بعيداً عن حلفائها التقليديين في القارة العجوز.


