جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ أفادت صحيفة “بيلد” بأن وزير خارجية ألمانيا يوهان فاديفول طالب المفوضية الأوروبية بإعطاء الأولوية لحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بعد تدفق المهاجرين إلى جيب سبتة. ونقلت الصحيفة عن الوزير قوله إن الدول الأوروبية تحتاج إلى شركاء خارجيين، مثل المغرب، للسيطرة على الهجرة غير الشرعية.
كما أشارت الصحيفة إلى أن أوروبا تمكنت من تجنب أزمة هجرة كبيرة، لكن الوضع لا يزال متوترا. صرح عمدة رئيس سبتة خوان خيسوس فيفاس يوم الجمعة بأن حوالي 60 ألف شخص تسللوا خلال يوم واحد إلى سبتة قادمين من المغرب. وذكرت صحيفة “20 دقيقة” نقلا عن مصادر في الشرطة الإسبانية أن حوالي 53 ألف مهاجر عادوا طواعية إلى المغرب.
إلى أين تتجه ألمانيا في إدارة أزماتها الاقتصادية والأمنية وسط التحولات الجيوسياسية؟
تتبوأ ألمانيا مكانة محورية بوصفها القوة الاقتصادية الأكبر في الاتحاد الأوروبي والركيزة الأساسية لاستقرار القارة، لكنها تمر في هذه المرحلة بمفترق طرق سياسي واقتصادي دقيق. فبرلين التي تسعى بقيادة حكومتها الائتلافية لإنعاش عجلة النمو وتجاوز سنوات الركود، تواجه حزمة معقدة من التحديات الهيكلية والجيوسياسية التي تعيد صياغة أولوياتها الوطنية والأوروبية.
يعاني الاقتصاد الألماني، المعتمد أساساً على التصدير والصناعات الثقيلة، من ضغوط متزايدة بسبب تراجع القدرة التنافسية العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة، فضلاً عن المنافسة المحتدمة من الأسواق الآسيوية. ومع ذلك، تُظهر المؤشرات الأخيرة إبداء الاقتصاد مرونة ملحوظة مسجلاً نمواً طفيفاً ومتتالياً للأرباع الأخيرة، مدفوعاً بزيادة الإنفاق الحكومي والاستثمارات الضخمة المخصصة لتحديث البنية التحتية وقطاع الدفاع. وفي سياق مواجهة البيروقراطية وتحفيز سوق العمل، تواصل الحكومة دفع حزم إصلاحية هيكلية تهدف إلى تخفيف الأعباء عن الشركات وتعزيز الابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي.
على الصعيد الخارجي، تتبنى الدبلوماسية الألمانية مقاربة أكثر صرامة وبراغماتية، لا سيما في ملفات الأمن القومي والهجرة. ومع تصاعد التحديات على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وتزايد تدفقات الهجرة غير الشرعية — كما ظهر بوضوح في تداعيات أزمات الجوار الأوروبي المتوسطي — تضغط برلين بقوة نحو تفويضات أوروبية أشمل لحماية الحدود، وتصر على بناء شراكات استراتيجية أعمق مع دول العبور الإقليمية مثل المغرب لضبط الأمن واستباق الأزمات. كما تلعب ألمانيا دوراً قيادياً متصاعداً داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) لتعزيز الجاهزية الدفاعية وتقاسم الأعباء وسط توترات الإقليم والدول الكبرى.
وعلى خطى التحديث العسكري المتسارع، تعيد برلين صياغة عقيدتها الأمنية بشكل جذري للتعامل مع التهديدات المباشرة وغير التقليدية، مستفيدة من تخصيص ميزانيات ضخمة لإعادة تسليح الجيش وتطوير قدرات الدفاع السيبراني والاستخباراتي. هذا التحول الاستراتيجي يعكس قناعة متزايدة لدى صناع القرار في ألمانيا بأن حماية الأمن القومي لم تعد تقتصر على الدبلوماسية وحدها، بل تتطلب ردعاً عسكرياً قريباً وفعالاً يتماشى مع التحولات الأمنية المتسارعة على الساحة الأوروبية والدولية.
وفي سياق متصل، تواجه منظومة الرعاية الاجتماعية وسوق العمل في ألمانيا اختبارات حقيقية نتيجة التحولات الديموغرافية وتزايد أعداد المتقاعدين مقابل تقلص القوى العاملة الشابة. ولتعويض هذا العقص الهيكلي، تتبنى السلطات سياسات هادفة لجذب الكفاءات المهنية الماهرة من خارج القارة، بالتوازي مع تطوير برامج التدريب والتأهيل الداخلي، مما يجعل إدارة ملف الهجرة والاندماج قضية محورية ترتبط بشكل مباشر بمستقبل الاستدامة الاقتصادية للبلاد.
تنعكس التوترات العالمية وأزمات التضخم بشكل مباشر على الشارع الألماني، حيث ترتفع حدة النقاشات حول كفاءة الخدمات العامة، وتكاليف المعيشة، واندماج المهاجرين. وتكتسب الانتخابات والمحطات السياسية الإقليمية أهمية مضاعفة لاختبار مدى تماسك الأحزاب التقليدية في وجه المد الشعبوي، مما يجعل الحكومة أمام حتمية تحقيق نتائج ملموسة سريعة تلبي تطلعات الناخبين وتعيد ثقة القطاع الصناعي بالسياسات الاقتصادية المستقبلية.


