جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أعاد اكتشاف طائرة مسيّرة محملة بمواد تفجيرية في مطار لايبزيغ/هاله النقاش حول مدى استعداد ألمانيا لمواجهة التهديدات الجوية غير التقليدية. ولا يتعلق الجدل فقط بقدرة أنظمة الدفاع على اكتشاف المسيّرات والتعامل معها، بل يمتد إلى مسألة أكثر تعقيدًا تتمثل في تحديد الجهة المسؤولة عن التدخل، والسرعة التي ينبغي أن تتحرك بها في حال وجود تهديد مباشر.
يرى رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الألماني، توماس روبكامب، أن تعدد الجهات المختصة بأمن الطيران يستدعي إعادة النظر، داعيًا إلى تركيز المسؤولية لدى وزارة الداخلية الاتحادية أو الشرطة الاتحادية. ويتفق معه سياسي الشؤون الخارجية رودريش كيزفيتر، الذي يدعو إلى وجود مسؤولية واضحة داخل وزارة الداخلية لرصد هجمات الطائرات المسيّرة والتعامل معها.
في المقابل، يرى خبير الشؤون الداخلية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، سباستيان فيدلر، أن تعدد الاختصاصات لا يمثل مشكلة بحد ذاته، طالما أن التنسيق بين الجهات المختلفة يعمل بكفاءة. ومن هذا المنظور، قد لا يكون الحل بالضرورة في إلغاء تعدد المؤسسات، وإنما في ضمان وضوح المسؤوليات وآليات التعاون خلال كل مرحلة من مراحل الاستجابة.
تشارك في مواجهة تهديدات المسيّرات جهات متعددة، من الشرطة الاتحادية وشرطة الولايات إلى الجيش الألماني في حالات الطوارئ، إلى جانب مشغلي البنية التحتية الحيوية، مثل المطارات. كما توجد آليات ومراكز لتبادل المعلومات والتنسيق بين السلطات الاتحادية والمحلية والأجهزة الأمنية. غير أن فعالية هذه المنظومة تعتمد في النهاية على سرعة تبادل المعلومات وقدرتها على الانتقال من مرحلة الرصد إلى الاستجابة في الوقت المناسب.
يثير تقييم الخبراء جانبًا آخر من المشكلة. فخبير الإرهاب بيتر نومان يرى أن ألمانيا لا تزال بحاجة إلى تحسين كبير في أنظمة الكشف والدفاع ضد المسيّرات، إضافة إلى معالجة تداخل الاختصاصات ووضع إطار قانوني أكثر وضوحًا. وفي المقابل، يؤكد رئيس شركة راينميتال، آرمن بابرغر، أن القدرات التكنولوجية اللازمة لحماية البنية التحتية الحيوية متاحة، لكن استخدامها يتطلب أولًا تحديد المنشآت الأكثر عرضة للخطر، ثم اختيار الوسائل المناسبة لحمايتها.
تتجه بعض الجهود بالفعل نحو تعزيز الكشف المبكر، من خلال التعاون بين راينميتال وشركات الاتصالات لاستخدام أبراج الاتصالات في رصد المسيّرات، إلى جانب تطوير أنظمة إنذار قادرة على اكتشاف التهديدات الجوية ومتابعتها من مسافات بعيدة.
أما البعد السياسي، فيتجاوز حدود ألمانيا. فقد دعا سياسي الدفاع في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، باستيان إرنست، إلى إجراء مشاورات داخل حلف الناتو بموجب المادة الرابعة، في ظل تصاعد المخاوف من التهديدات الجوية والهجينة. غير أن تطبيق هذا المسار يتطلب تقييمًا دقيقًا لطبيعة التهديد ومصدره.
وتزداد حساسية القضية بسبب التحقيقات في حادث لايبزيغ/هاله، خصوصًا مع احتمال ارتباطه بجهة خارجية. لكن في ظل غياب أدلة حاسمة، تبقى نسبة المسؤولية إلى طرف محدد مسألة تحتاج إلى تحقيقات وأدلة موثوقة.
لا يبدو التحدي الألماني مرتبطًا بالتكنولوجيا وحدها، بل بمدى قدرة المؤسسات على العمل ضمن منظومة واضحة وسريعة وفعالة. وبين الدعوات إلى مركزية المسؤولية والتمسك بتوزيع الاختصاصات، يبقى المعيار الأهم هو ضمان اكتشاف التهديد في الوقت المناسب، وتحديد المسؤول عن الاستجابة، وتمكينه من الأدوات القانونية والتقنية اللازمة لحماية البنية التحتية والسكان.


