جريدة الحرة بيروت
أعلنت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ، السياسية الألمانية أنالينا بيربوك ، يوم الأربعاء (الثالث من يونيو/ حزيران 2026) إخفاق ألمانيا، في الجولة الأولى من التصويت، في الحصول على مقعد غير دائم بمجلس الأمن الدولي، حيث خسرت أمام البرتغال والنمسا. وجرى التنافس على مقعدين غير دائمين. ولم تحصل ألمانيا سوى على 104 أصوات فقط، في حين أوضحت بيربوك أن الحصول على المقعد كان يتطلب أغلبية الثلثين، أي الحصول على 127 صوتاً. وفي المقابل، حصدت البرتغال 134 صوتاً، ونالت النمسا 131 صوتاً. ويبلغ إجمالي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية 193 دولة، وهناك عضوان لا يحق لهما التصويت في الوقت الحالي هما أفغانستان وفنزويلا.
ثقة بالفوز رغم الحظوظ الضئيلة
وكانت حظوظ الترشيح الألماني صعبة منذ البداية، إذ دخلت برلين سباق الترشح متأخرة مقارنة بلشبونة وفيينا. وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قد حاول في اللحظات الأخيرة في سباق الانتخابات في نيويورك إقناع الدول المترددة لتجنب الإحراج، لكن ذلك لم ينجح. ومع ذلك بدا فاديفول قبيل التصويت مطمئنا، حيث التقط صوراً تذكارية في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة مع نظيريه من النمسا والبرتغال، بيآته ماينل رايزنجر وباولو رانجيل. وقال فاديفول قبيل التصويت للصحفيين: “ندخل هذا التصويت بثقة وبمشاعر إيجابية”. وأضاف أن النمسا والبرتغال “خاضتا معنا منافسة نزيهة وجيدة”. وأكد أن البلدين، بغض النظر عن النتيجة، “دولتان أوروبيتان صديقتان وحكومتان تربطنا بهما علاقات وثيقة للغاية”.
انتكاسة لسياسة حكومة ميرتس الخارجية
ويمثل هذا الفشل انتكاسة قوية للمستشار الألماني فريدريش ميرتس ووزير خارجيته يوهان فاديفول (كلاهما من الحزب المسيحي الديمقراطي، وشعارهما الانتخابي: سياسة خارجية موحّدة)، في ظل سعيهما إلى تعزيز حضور ألمانيا على الساحة الدولية مقارنة بما كان عليه الوضع في السنوات الماضية. يذكر أن جمهورية ألمانيا الاتحادية كانت شَغلت المقعد غير الدائم مجلس الأمن ست مرات في السابق، كان آخرها في عامي 2019 و2020؛ إذ جرت العادة أن تترشح برلين لعضوية المجلس كل ثماني سنوات.
أسباب الانتكاسة الدبلوماسية الألمانية
تعود هذه الانتكاسة الدبلوماسية غير المتوقعة لألمانيا في الأمم المتحدة إلى مجموعة من العوامل الهيكلية والسياسية؛ أبرزها عامل الوقت وإدارة المعركة الانتخابية. فقد دخلت برلين سباق الترشح متأخرة بشكل ملحوظ مقارنة بخصميها الأوروبيين، البرتغال والنمسا، اللتين امتلكتا مساحة زمنية أوسع لبناء التحالفات وحشد الدعم الإقليمي والدولي. هذا التأخر في إطلاق الحملة الدبلوماسية جعل التحركات اللحظية التي قادها وزير الخارجية، يوهان فاديفول، في نيويورك غير كافية لإقناع الدول المترددة أو كسر الالتزامات التصويتية المسبقة التي قطعتها تلك الدول للمنافسين، مما انعكس بوضوح في حصيلة الأصوات التي توقفت عند 104 أصوات، بفارق كبير عن أغلبية الثلثين المطلوبة ($127$ صوتاً).
بالإضافة إلى ذلك، واجهت برلين تحديات داخلية وإقليمية أضعفت من قوة طرحها الدولي. فرغم السمعة التاريخية لألمانيا وقدرتها التقليدية على حسم المقعد دورياً كل ثماني سنوات، إلا أن المنافسة هذه المرة كانت مع دولتين أوروبيتين تحظيان بقبول واسع ودون أعباء سياسية كبرى؛ فالنمسا بتركيزها على سياساتها التقليدية والبرتغال بعلاقاتها القوية مع دول الجنوب العالمي ومجموعة الدول الناطقة بالبرتغالية، استطاعتا تقديم أنفسهما كبدائل أقل استقطاباً. في المقابل، يبدو أن الشعار الانتخابي لحكومة فريدريش ميرتس “سياسة خارجية موحّدة” لم يترجم دولياً إلى أوراق ضغط ملموسة، بل ربما قوبل بنوع من التحفظ من بعض الكتل التصويتية التي رأت في التوجهات الألمانية الجديدة صرامة لا تخدم التوازنات الدقيقة داخل مجلس الأمن في الوقت الراهن.
تداعيات الفشل على مكانة ألمانيا وحكومة ميرتس
تترتب على هذا الإخفاق تداعيات سياسية داخلية وخارجية مباشرة، لعل أبرزها توجيه ضربة قوية لطموحات حكومة المستشار فريدريش ميرتس. فقد وضعت هذه الحكومة تعزيز الحضور الدولي لألمانيا واستعادة زخم سياساتها الخارجية كأولوية قصوى لتميز عهدها عن السنوات الماضية. ويأتي هذا الفشل ليحرم برلين من منصة دولية رئيسية لصنع القرار العالمي على مدار عامين، مما يمثل إحراجاً سياسياً كبيراً للحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم، ويمنح المعارضة الداخلية مادة دسمة لانتقاد الأداء الدبلوماسي للحكومة والتشكيك في قدرتها على إدارة الملفات الدولية الحساسة، خاصة وأن الإعلان جاء على لسان شخصية ألمانية بارزة هي رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك.
أما على الصعيد الدولي، فإن هذه النتيجة تكسر العرف الدبلوماسي المستقر لألمانيا بالدخول التلقائي للمجلس كل ثماني سنوات، وهو ما قد يؤثر سلباً على نفوذ برلين وسقف طموحاتها المستقبلية، لاسيما مشروعها المؤجل والمطالب بإصلاح مجلس الأمن والحصول على مقعد دائم فيه؛ إذ إن العجز عن حشد أصوات كافية لمقعد غير دائم يضعف تلقائياً الحجج الألمانية بشأن تمثيل القيادة الدولية. ومع ذلك، فإن الإبقاء على أجواء الود والتقاط الصور التذكارية مع وزراء خارجية النمسا والبرتغال يمثل محاولة ألمانية واعية لتطويق تداعيات الأزمة، وتفادي تحول هذا الخذلان التصويتي إلى أزمة ثنائية مع الشركاء الأوروبيين، والتركيز بدلاً من ذلك على مراجعة آليات الحشد الدبلوماسي للمراحل المقبلة.


