جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ من المقرر أن يحصل المكتب الاتحادي الألماني للشرطة الجنائية والشرطة الاتحادية الألمانية على صلاحيات تحقيق إضافية في الفضاء الرقمي. وينص على ذلك ثلاثة مشروعات قوانين اتفق عليها وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت ووزيرة العدل شتيفاني هوبيش.
وتتمثل النقطة الأساسية في الإصلاحات المخطط لها في إتاحة تحليل البيانات بشكل آلي ومطابقة البيانات البيومترية، مثل الصور، مع بيانات متاحة للجمهور على الإنترنت. ويهدف ذلك من ناحية إلى المساعدة في تحديد هوية الأشخاص. كما يفترض أن تسهل عملية المطابقة تحديد أماكن الأشخاص المطلوبين والتعرف على الروابط بين الجريمة ومرتكبيها.
وجاء في “مشروع قانون تعزيز صلاحيات التحقيق الرقمية في عمل الشرطة”: “تحليل البيانات الآلي يعد أداة تحقيق ضرورية، خاصة في التحقيقات المعقدة في مجالات الإرهاب والجريمة الخطيرة والمنظمة”. وقال دوبرينت مبررا هذا التوجه: “باستخدام تحليل البيانات الآلي يمكن للمكتب الاتحادي للشرطة الجنائية والشرطة الاتحادية فرز كميات كبيرة من البيانات واكتشاف الأنماط وإظهار الروابط الخفية: وهو عنصر مهم في مكافحة الإرهاب والجريمة الخطيرة”، مضيفا أن المطابقة البيومترية عبر الإنترنت تساعد في تعقب الجناة على الشبكة وربط الوجوه بالأسماء.
من جانبها قالت هوبيش إن الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية الأخرى يمكن أن تقدم خدمات مهمة في ملاحقة الجرائم، لكنها أكدت في الوقت نفسه قائلة: “ليس كل ما هو ممكن تقنيا مسموحا به في دولة القانون”، موضحة أيضا أن القرارات في الإجراءات الجنائية يجب أن يتخذها البشر دائما وليس وكلاء الذكاء الاصطناعي. كما تنص الخطة على السماح للمكتب الألماني للهجرة واللاجئين بإجراء مطابقة للصور مع صور متاحة للعامة على الإنترنت. غير أن ذلك سيطبق فقط على البيانات البيومترية للأجانب الذين لا يستطيعون تقديم جواز سفر ساري المفعول.
موازنة أمنية بين كفاءة الملاحقة الرقمية وضمانات الحقوق المدنية
تجسد هذه التعديلات القانونية محاولة لتقليص الفجوة التقنية بين القدرات الإجرامية المتطورة وأدوات إنفاذ القانون، حيث يمنح التحليل الآلي للبيانات والتعرف البيومتري أجهزة الأمن سرعة فائقة في الربط بين خيوط القضايا المعقدة التي كان يستغرق تحليلها يدوياً وقتاً طويلاً. ومن منظور أمني، فإن استهداف الجرائم المنظمة والإرهاب بهذه الأدوات يعد استجابة لواقع “السيولة الرقمية” التي يستغلها الجناة للتخفي. إلا أن نجاح هذه الخطوة يعتمد بشكل جوهري على دقة الخوارزميات المستخدمة وقدرتها على تقليل “النتائج الإيجابية الكاذبة” التي قد تؤدي إلى اشتباهات غير دقيقة بحق أفراد لا صلة لهم بالجرائم.
من ناحية أخرى، تثير هذه الصلاحيات نقاشاً دستورياً واسعاً حول حدود الخصوصية في الفضاء العام الافتراضي، خاصة فيما يتعلق بمطابقة الصور المتاحة علناً. ورغم التأكيدات الرسمية على حصر القرار النهائي في يد “العنصر البشري” وليس الذكاء الاصطناعي، إلا أن التحدي يكمن في وضع آليات رقابة قضائية صارمة تضمن عدم تحول هذه الأدوات إلى وسيلة للرقابة الشاملة. كما أن تخصيص بنود لمطابقة صور الأجانب ممن لا يملكون وثائق سفر يضع المشرّع أمام اختبار دقيق للموازنة بين مقتضيات التنظيم الإداري والأمني وبين مبادئ المساواة وحماية البيانات الشخصية لجميع الفئات دون تمييز.
على صعيدٍ آخر، تضع هذه التوجهات الجديدة ألمانيا أمام تحدٍّ تقني وأخلاقي يتمثل في “أنسنة” الخوارزميات الأمنية، حيث يبرز التساؤل حول مدى استقلالية القرار البشري حينما يستند إلى مخرجات ذكاء اصطناعي قادرة على معالجة ملايين البيانات في ثوانٍ. فبينما يُنظر إلى هذه الأدوات كـ “مُضاعِف للقوة” الأمنية في مواجهة شبكات الجريمة العابرة للحدود، فإن الاعتماد المتزايد على مطابقة البيانات المتاحة علناً قد يدفع نحو إعادة تعريف مفهوم “المجال العام” الرقمي؛ إذ لم تعد المعلومات المنشورة على الإنترنت مجرد محتوى اجتماعي، بل أصبحت “مادة خام” للتحقيق الجنائي. هذا التحول يتطلب إطاراً قانونياً مرناً وقادراً على التكيف مع التطورات التقنية المتسارعة، لضمان ألا تتحول كفاءة الملاحقة الرقمية إلى عبء على الحريات الفردية، وللحفاظ على الثقة العامة في كيفية إدارة الدولة للبيانات الضخمة.


