جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
خاص ـ حددت القوات المسلحة الألمانية 24 موقعًا لمراكز تجنيد جديدة، ستُستخدم هذه المراكز لتقييم مدى ملاءمة المتقدمين للخدمة العسكرية. حيث يدخل نموذج الخدمة العسكرية الجديد مرحلته التالية، فقد أعلنت وزارة الدفاع الاتحادية في السابع من مايو 2026 عن 24 موقعًا لمراكز التجنيد. ولهذا الغرض، سيتم استئجار مبان خارج الثكنات القائمة في 14 ولاية اتحادية، وتحديدًا في المدن الكبيرة التي يسهل الوصول إليها. وقد استند الاختيار، بحسب التقارير، إلى عدة عوامل، من بينها عدد السكان والعدد المتوقع للمتقدمين المحتملين.
إنشاء مراكز تجنيد جديدة
من المقرر إنشاء مراكز تجنيد جديدة في مواقع القوات المسلحة الألمانية “البوندسفير” الحالية في بون، دريسدن، هامبورغ، كاسل، كيل، كوبلنز، لايبزيغ، ماغديبورغ، نويبراندنبورغ، نورنبيرغ، أولدنبورغ، بوتسدام، سارلويس، شفيرين، أولم، وويسبادن.
سيتم تخصيص كل مركز لأحد مراكز التوظيف الخمسة عشر التابعة للقوات المسلحة، والتي ستتولى جميع أعمال التنسيق والتنظيم. ومن الملاحظ أن العديد من المدن الكبيرة مثل برلين وميونيخ وكولونيا ليست مدرجة في قائمة مراكز التجنيد الجديدة.
من المخطط إنشاء مواقع أخرى في بيليفيلد، وبراونشفايغ، ودورتموند، ويينا، وكيمبتن، وأوفنبورغ، وريغنسبورغ، وفورتسبورغ. وبذلك، ستمتلك القوات المسلحة الألمانية قواعدها الخاصة هناك لأول مرة. ستقتصر المراكز في البداية على إجراء التقييم الأولي لمدى ملاءمة الشخص للالتحاق بالقوات المسلحة الألمانية.
وستستمر مراكز التوظيف بإجراء اختبارات وجلسات استشارية أكثر شمولًا، تشمل على سبيل المثال الفحوصات الطبية والبدنية والمعرفية والنفسية اللازمة للالتحاق بالخدمة العسكرية أو المدنية.
العديد من استبيانات الخدمة العسكرية لا تزال دون إجابة
أُرسلت استبيانات منذ يناير 2026، إلى جميع الشبان والشابات الذين سيبلغون سن الثامنة عشرة في عام 2026، والذين يحق لهم بالتالي الالتحاق بالخدمة العسكرية التطوعية الجديدة. المشاركة اختيارية للنساء، وإلزامية للرجال. ومع ذلك، ووفقًا لشبكة التحرير الألمانية “RND”، نقلًا عن مصادر داخل القوات المسلحة الألمانية، فإن ما يقرب من ثلث الردود لم تُستلم.
بحسب وزارة الدفاع، أُرسلت نحو 194 ألف رسالة بحلول نهاية أبريل من العام 2026. وقد أجاب 72% من الشباب الذين تم التواصل معهم على الاستبيان، بينما لم يُجب 28%. ومع ذلك، ووفقًا لشبكة التحرير الألمانية “RND”، فإن نحو 50% من الردود الواردة أشارت إلى رغبة في الخدمة لمدة ستة أشهر على الأقل في الجيش الألماني “البوندسفير”. أي شخص لا يكمل الاستمارة رغم التذكير سيواجه غرامة قدرها 250 يورو. وتؤكد الوزارة أنها لن تتسامح مع تهرب الرجال من واجبهم في الرد.
تشير التحركات الألمانية المتعلقة بتوسيع مراكز التجنيد وإعادة تفعيل آليات تقييم الجاهزية العسكرية إلى أن برلين دخلت مرحلة جديدة من إعادة بناء القدرات الدفاعية، ليس باعتبارها استجابة ظرفية للحرب الأوكرانية فقط، بل كجزء من تحول استراتيجي طويل الأمد في العقيدة الأمنية الألمانية والأوروبية.
يبدو أن ألمانيا لم تعد تنظر إلى البيئة الأمنية الأوروبية بوصفها مستقرة أو قابلة للاحتواء عبر المظلة الأمريكية وحدها، بل باتت ترى أن السنوات القادمة قد تحمل تحديات عسكرية وأمنية تتطلب توسيع القاعدة البشرية للقوات المسلحة ورفع جاهزية المجتمع للدفاع الوطني.
من المرجح أن تشهد ألمانيا خلال الأعوام الثلاثة إلى الخمسة القادمة توسعًا تدريجيًا في برامج الخدمة العسكرية الطوعية، مع احتمالات متزايدة للانتقال إلى نماذج أكثر إلزامًا إذا استمرت التهديدات الأمنية شرق أوروبا أو تزايدت الضغوط داخل حلف الناتو لرفع الجاهزية العسكرية الأوروبية.
قد تتجه برلين إلى خفض المعايير البيروقراطية المتعلقة بالتجنيد، وتسريع آليات الفحص والتدريب، بهدف سد النقص المزمن في الأفراد داخل البوندسفير. ويعكس إنشاء مراكز التجنيد خارج الثكنات العسكرية التقليدية محاولة واضحة لجعل المؤسسة العسكرية أكثر قربًا من المجتمع المدني، خاصة في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
من المتوقع أن يترافق ذلك مع حملات دعائية وإعلامية أوسع لتحسين صورة الخدمة العسكرية لدى الشباب الألمان، وربطها بمفاهيم الأمن الأوروبي والدفاع عن الديمقراطية والاستقرار القاري. في المقابل، قد تواجه الحكومة الألمانية تحديات سياسية واجتماعية متزايدة، خصوصًا في ظل وجود تيارات داخلية تعارض عسكرة المجتمع أو تخشى من عودة النزعة العسكرية الألمانية بصورة غير مباشرة.
إن فرض غرامات على المتخلفين عن الرد على استبيانات الخدمة قد يثير جدلًا قانونيًا وحقوقيًا بشأن حدود إلزامية المشاركة المدنية في السياسات الدفاعية مستقبلًا. وقد تتحول التجربة الألمانية إلى نموذج تدريجي تحتذي به دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة مع تصاعد النقاش حول بناء “ركيزة دفاع أوروبية” أكثر استقلالًا عن الولايات المتحدة.
إذا نجحت برلين في تطوير نموذج تعبئة بشرية مرن وفعال، فقد يدفع ذلك دولًا مثل هولندا وبلجيكا ودول البلطيق إلى توسيع برامج الخدمة الوطنية والعسكرية لديها. كما تعكس هذه التطورات إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن الحروب المستقبلية لن تعتمد فقط على التكنولوجيا والأسلحة المتطورة، بل كذلك على القدرة على تعبئة الموارد البشرية بسرعة والحفاظ على استمرارية القدرات العسكرية في الحروب الطويلة.
من المحتمل أن يتحول ملف التجنيد خلال السنوات القادمة إلى جزء أساسي من النقاشات الأوروبية المتعلقة بالأمن الجماعي والإنفاق الدفاعي والاستقلال الاستراتيجي. وفي حال استمرت الحرب في أوكرانيا أو تصاعد التوتر مع روسيا، فقد نشهد انتقال ألمانيا من مرحلة إعادة التنظيم الدفاعي إلى مرحلة بناء بنية تعبئة عسكرية أوسع، تشمل الاحتياط المدني، والدفاع السيبراني، والتدريب المجتمعي، ضمن تصور أوروبي جديد للأمن الشامل مستقبلًا.


