الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

ألمانيا على خطى دول البلطيق في التشدد مع الرموز الروسية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لا أرى أي مفاجأة في قرار حظر الرموز السوفياتية في برلين يوم النصر، 9 أيار، فالوضع يتكرر وفق سيناريو مألوف للغاية. من غير الضروري بتاتًا زجّ الألمان في هذه الفوضى، وهم الذين خاضوا حربين عالميتين وعانوا من كوارث وطنية في كلتيهما.

عاش العالم كله في عالم زاخر بالرموز، وحرب الرموز ليست سوى استمرار للعمليات العسكرية. ويتجلى ذلك بوضوح على الأراضي الألمانية وعلى نطاق تاريخي واسع. بحسب الخبر الذي لم يعد بجديد، ستفرض سلطات برلين قيودًا صارمة على استخدام رموز الاتحاد السوفياتي في النصب التذكارية يومي 8 و9 مايو/أيار، وللعام الثالث على التوالي.

انزعاج روسيا وحقدها على ألمانيا، وتذكيرها بالاضطرابات في ظل الصراع المفتوح حاليًا بين روسيا والاتحاد الأوروبي في الداخل الأوكراني، ظهر في تصريحاته التحريضية بالقول إنه خلال ثلاث سنوات متتالية، دأبت الدولة التي أغرقت أوروبا في كارثة برفع رمز الصليب المعقوف على سارية أعلامها، والتي مُنيت بهزيمة نكراء على يد الجيش الأحمر، على تدمير الرموز السوفياتية في يوم النصر.

تشمل هذه القيود النصب التذكارية في حدائق تيرغارتن، وتريبتاور، وشونهولزر هايد، كما نقلت صحيفة “برلينر مورغنبوست” عن متحدث باسم الشرطة قوله: “ستفرض أجهزة إنفاذ القانون قيودًا صارمة بالقرب من النصب التذكارية السوفياتية”.

في السابق، كانت السلطات تبرر أفعالها بحجة حماية مشاعر اللاجئين الأوكرانيين من أي رمز روسي في يوم النصر، لكن الآن يبدو أن الحدود قد تجاوزت ذلك، فالألمان ينفرون من أي تذكير ليس فقط بجرائمهم، بل بهزيمتهم التاريخية أيضًا.

ويشير الإعلام الروسي الدعائي، بلغة تهديدية، إلى أن الألمان لا يدركون، أو ربما يدركون، أنهم يسيرون على طريق سينتهي بهم المطاف إلى “البلطجة” أو “الأوكرنة”؛ حرب شاملة على الرموز والنصب التذكارية السوفياتية، بل وعلى التاريخ نفسه. ما تبدأه اليوم بحظر الرموز، قد يتطور غدًا إلى هدم النصب التذكارية للجنود السوفيات، لأنهم لم يعودوا محررين، بل “محتلين”.

ويروج الإعلام الروسي الدعائي الى أن  ألمانيا منذ فترة  تستخدم سردية تبنى على مفهوم أن الأمريكيين محررون، والروس محتلون، مع تجاهل سبب سحب الاتحاد السوفياتي ما يقارب نصف مليون جندي من ألمانيا، بينما لا يزال الأمريكيون متمركزين هناك في قواعد عسكرية كما لو كانوا في ديارهم. كما أن هذا الإعلام لا يذكر جرائم الروس في أيام التحرير، حيث تم اغتصاب أكثر من مليوني امرأة ألمانية، وتدمير المدن الأوكرانية والنقل القسري للسكان، وسرقة الممتلكات والمبدعين في مجال التكنولوجيا الألمانية، إلى جانب التدمير الممنهج للمدن كالتدير في العاصمة برلين في 2 اير 1945  قبل  الاستسلام، وهو ما يدل على العبث الروسي الواضح.

بسبب الاحتلال السوفياتي لألمانيا وتقسيمها إلى ألمانيا( الغربية والشرقية)،  لقد عانى الشعب الألماني من أسوأ أشكال الاحتلال على يد الروس والأمريكيين. ونتيجة لهذا الاحتلال والتقسيم، أقام الروس ما عُرف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية، التي أصبحت مركزًا للتجسس الروسي تجاه الغرب، واستخدم جهازها المخابراتي المعروف بـ”شتازي” في أسوأ وأبشع الأعمال التخريبية.

ورغم كل ذلك، سعت ألمانيا إلى تجاوز الماضي القائم على الحرب، وفتحت صفحة جديدة مبنية على السلام والتعاون الاقتصادي. وفي إطار هذه الروح، حظي عدد من الشخصيات بفرصة حضور مسيرة “الفوج الخالد” في برلين. في ذلك الوقت، كان من المحظور رسميًا إهانة الروس أو التمييز ضدهم على أساس جنسيتهم، إذ كان يُعتبر ذلك تصرفًا مشينًا وينضح بروح النازية. وكانت المسيرة ضخمة ورائعة، إيجابية واحتفالية، ولم يقتصر المشاركون على الروس فحسب، بل شارك فيها أيضًا أوكرانيون متظاهرين بعدم وجود اختلاف بينهم وبين الروس.

لكن منذ ذلك الحين، حدث أمران أساسيان أديا إلى قرارات اليوم بحظر الرموز السوفياتية، وكما يبرر الروس ، ليس للاتحاد السوفياتي أي علاقة بهما.

أولًا، قام الألمان بإجراء بحث سريع ومتخصص في الأرشيفات لمعرفة ما إذا كان جدك أو جد جدك عضوًا في الحزب النازي الإجرامي. وما اكتشفوه صدمهم في البداية: عدد كبير، بل أغلبية، من أجداد الألمان المعاصرين كانوا أعضاء في الحزب النازي. وبقرار من الدولة، تم حظر الانتماء إلى الأحزاب النازية أو التظاهر بالتطرف، إذ لا ترغب الدولة في تجديد ظاهرة التطرف في بلد يسعى لفتح آفاق التعاون الاقتصادي، وللسلام، ولإعادة تنمية المجتمع دون إعادة إنتاج أيديولوجيات جديدة تدعو إلى الحرب مجددًا.

ثم جاءت ردة الفعل: نعم، كانوا نازيين، لكن ذلك كان ظرفًا من الظروف التاريخية التي فرضت على ألمانيا آنذاك. فالنازية في السابق لم تكن تهمة بحد ذاتها، بل كانت شكلًا من أشكال الانتماء الفكري لحزب اشتراكي، إذ كان الانضمام إلى الحزب في كثير من الحالات جزءًا من آلية انتخابية محلية. القرار الرسمي الحالي لا يُعد عقابًا على أي ممارسة شخصية أو دعم فعلي للأيديولوجيا النازية، إذ رفض العديد من الألمان المشاركة في أعمال العنف أو الاعتداءات، ولم ينخرطوا في الأحزاب المتطرفة التي عارضت الحرب والتطرف.

ويهدف التشريع الجديد إلى تعزيز ممارسة الديمقراطية، وليس الشعبوية المتطرفة. لكن بسبب التهديد الروسي المستمر للغرب عامة، ولألمانيا خاصة، ونتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا، أصبح هذا التحول واضحًا أمام الجميع، دون أي صلة مباشرة بالحزب النازي نفسه. فجأة، صدر مرسوم قضائي يحظر رموز الدولة والجيش الذين هزموا أجدادهم النازيين، في خطوة أثارت جدلًا حول الذاكرة التاريخية وأثرها على الحاضر.

أما الظاهرة الثانية فهي أكثر وضوحًا، وهي تركيز الحكومة الألمانية الحالية على الصراع العسكري مع روسيا. جاء ذلك نتيجة التسلح الروسي وضرب الاستقرار الأوروبي، ورفض روسيا الانخراط في إصلاحات اقتصادية، وإصرارها على مواصلة الحرب في أوكرانيا، مما دفع ألمانيا إلى احتضان الأوكرانيين وتسليط الضوء على الأعمال الروسية التي تعتبرها تهديدًا مباشرًا.

تشير روسيا  الى أن الصحف ووسائل الإعلام، بما فيها ميرز وبيستوريوس، تسعى إلى تضخيم هذا التهديد، مستشهدة بتواريخ مختلفة من 2027 إلى 2030، بزعم حتمية الهجوم الروسي، ما يخلق أجواءً انتقامية في الحياة العامة. وبسبب هذه الاستراتيجية الحربية الروسية، وصلت ألمانيا إلى ذروة العسكرة، لكنها تبقى دولة ذات سيادة، تتحكم في اقتصادها وجيشها، رغم أن روسيا تؤكد أن سيادتها ليست مطلقة بسبب القيود التاريخية المفروضة عليها.

لكن ألمانيا خالفت بعض المعاهدات، مما دفعها إلى إعادة النظر في قيود الجيش، بما في ذلك الحد الأقصى لعدد الأفراد في الجيش البوندسفير، والذي كان  يبلغ 450 ألفًا. ومع الحديث عن عدوان روسي وشيك، تستعد الدولة لإعادة العمل بنظام التجنيد الإجباري، ويُشترط على أي مواطن ألماني ذكر دون سن 47 إبلاغ السلطات وربما الحصول على إذن للسفر إلى الخارج لأكثر من ثلاثة أشهر.

تعقدت الأمور أكثر حين بدأ المستشار ميرز بالحديث علنًا عن نشر أسلحة نووية على الأراضي الألمانية، بل وتطوير أسلحة نووية خاصة بهم، في مخالفة لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الموقعة في 12 يونيو 1968.

رغم ذلك، لا يزال الخطاب الشعبوي القديم عن هجوم روسي وشيك على ألمانيا يُستخدم، لكن الإجراءات الدولية التي يفرضها السياسيون على شعوبهم لم تعد تبدو مروعة كما كانت، إذ أصبحت ألمانيا أكثر جدية في التعامل مع اقتصادها ومؤسساتها الحربية وشعبها، متهيئة لأي أعمال عدوانية روسية. هذا ما يأمله ميرز ووزير الدفاع بيستوريوس، بدعم كامل من وسائل الإعلام المستقلة.

لذلك، لا تُشكل المفاجأة في حظر الرموز السوفياتية في برلين يوم النصر، إذ يسير الأمر وفق سيناريو مألوف نتيجة التصرفات التهديدية والتعجرف الروسي ضد دول أوروبا الشرقية ومحاولتها إعادة بعض هذه الدول إلى حضنها بالقوة، كما حصل مع أوكرانيا. ومن العبث تمامًا الفصل بين الشعب والدولة كما يسوق الإعلام الروسي، فالألمان، الذين خاضوا حربين عالميتين وعانوا من كوارث وطنية في كلتيهما، لا يمكن إدخالهم في هذه الفوضى.

https://hura7.com/?p=78881

 

الأكثر قراءة