جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تتزايد المخاوف الأوروبية من تنامي عمليات التجسس السيبراني التي تستهدف البنية التحتية المدنية لدعم أهدافٍ عسكريةٍ واستخباراتيةٍ. ويكشف اختراق كاميرات المراقبة المدنية على امتداد طرق الإمداد إلى أوكرانيا عن تحول الأجهزة الذكية إلى أدواتٍ في حروب الظل، بما يفرض تحدياتٍ جديدةً أمام أمن الناتو والأمن السيبراني الأوروبي.
تعاون استخباراتي ألماني هولندي يكشف انشطة تجسسية
اخترق قراصنةٌ روسٌ كاميراتٍ مدنيةً للتجسس على قواعد عسكرية تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وذكرت صحيفة “ذا تلغراف” البريطانية ذلك، استنادًا إلى تحقيقٍ مشتركٍ أجراه جهاز الاستخبارات الداخلية الهولندي (AIVD) وجهاز الاستخبارات العسكرية الهولندي (MIVD). وبحسب التقرير، تمكن المنفذون من الوصول إلى أجهزةٍ تقع على طول طرق النقل العسكرية، بهدف معرفة نوعية الأسلحة التي تُنقل إلى كييف.
بحسب السلطات، تأثرت عدة دولٍ أوروبيةٍ أعضاء في حلف الناتو، بالإضافة إلى أوكرانيا. وقد أُبلغت المؤسسات التي تقع كاميراتها على امتداد تلك الطرق، حتى تتمكن من اتخاذ إجراءاتٍ مضادةٍ. ولم تكشف أجهزة الاستخبارات عن أنواع الكاميرات التي استُهدفت تحديدًا. إلا أن أنظمة أجراس الأبواب الذكية، التي يمكن الوصول إليها عبر الهواتف الذكية، انتشرت على نطاقٍ واسعٍ خلال السنوات الأخيرة، بفضل الواردات منخفضة التكلفة القادمة من الصين.
عمليات تجسس واسعةَ في أوروبا
أظهرت التحقيقات الهولندية أن العديد من الكاميرات التي تعرضت للاختراق كانت تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية الأمنية. وأوضحت السلطات أن هذه الأجهزة “غالبًا ما تستخدم كلمات مرورٍ افتراضيةً، وبرامجَ تشغيلٍ (Firmware) قديمةً، وإعداداتٍ افتراضيةً”.
ولذلك، يستطيع المهاجمون العثور على هذه الكاميرات بسهولةٍ نسبيًا عبر الإنترنت، ثم اختراقها والوصول إليها. تندرج هذه القضية ضمن سلسلةٍ من المعلومات الاستخباراتية التي كُشف عنها سابقًا، والتي تشير إلى أن روسيا تمارس عمليات تجسسٍ واسعةَ النطاق في أوروبا، بهدف تحقيق مكاسب في حربها ضد أوكرانيا.
ففي مايو 2025، حذرت السلطات الأمنية في ألمانيا والولايات المتحدة من أسلوبٍ مشابهٍ. وذكرت أن الوحدة الخاصة 26165 التابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU)، والمعروفة باسم “Fancy Bear”، تمكنت منذ عام 2022 من اختراق كاميرات المراقبة الموجودة عند المعابر الحدودية، ومحطات السكك الحديدية، والمنشآت العسكرية، بهدف تتبع شحنات المساعدات المتجهة إلى أوكرانيا.
اختراق الكاميرات المدنية لأغراض التجسس أمر شائع
وفقًا لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (BND)، وهيئة حماية الدستور (Verfassungsschutz)، والمكتب الاتحادي لأمن المعلومات (BSI)، فقد تأثر نحو 10 آلاف كاميرا تقع بالقرب من منشآتٍ عسكريةٍ ومحطاتِ سككٍ حديديةٍ، وكان معظمها في أوكرانيا ورومانيا.
إلا أن الأهداف امتدت كذلك إلى 13 دولةً، من بينها ألمانيا. ويُعد اختراق الكاميرات المدنية لأغراض التجسس خلال الحروب والنزاعات أمرًا شائعًا. وتشير تقارير إلى أن قراصنةً أوكرانيين تمكنوا كذلك من اختراق كاميرات مراقبةٍ روسيةٍ، للمساعدة في التحضير لهجومٍ على ميناء نوفوروسيسك.
بحسب تقريرٍ لصحيفة “فايننشال تايمز”، يُعد جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد من أكثر الأجهزة فاعليةً في هذا النوع من العمليات. وذكر التقرير أن عملاء إسرائيليين اخترقوا على مدى سنواتٍ شبكةَ مراقبةِ المرور في طهران، بهدف التجسس على المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
نقلت الصحيفة عن أحد مسؤولي الاستخبارات الإسرائيليين قوله: “لقد كنا نعرف طهران كما نعرف القدس”. وأضاف التقرير أن المعلومات الاستخباراتية التي جُمعت أسهمت في التخطيط للهجوم الذي قُتل فيه علي خامنئي.
روسيا تعتمد بشكل أساسي على عملاء مدربين داخل ألمانيا
أُلقي القبض في ألمانيا على جواسيس مشتبه بهم في عدة مناسبات، يُزعم أنهم يعملون لصالح جهاز المخابرات الروسي. وصرح المدعي العام الاتحادي ينس روميل في كارلسروه في 15 يونيو من العام 2026 بأن الأدلة التي توصلت إليها تحقيقات مكتب المدعي العام الاتحادي تشير بشكل متزايد إلى أن روسيا تعتمد بشكل أساسي على عملاء رخيصين وغير مدربين.
أضاف أنه في حال انكشاف أمر هؤلاء العملاء، فمن غير المرجح أن يكشفوا عن معلومات كثيرة حول هياكل المخابرات. وأوضح روميل: “علاوة على ذلك، لا يقتصر الهدف على جمع المعلومات داخل الأراضي الألمانية فحسب، بل من المرجح أن تُستخدم هذه الإجراءات في المقام الأول كتمهيد لإجراءات استخباراتية أخرى، وتحديدًا التخريب أو ربما حتى الهجمات على أفراد مستهدفين”. ويبدو أن الهدف في كثير من الأحيان هو تقويض الدعم الألماني لأوكرانيا.
شخصية موالية لروسيا على صلة بالقوات المسلحة الألمانية
بحسب محققين ألمان، فإنّ مسار الجواسيس المشتبه بهم غالبًا ما يقود إلى روسيا مؤخرًا. ففي يناير من العام 2026، على سبيل المثال، ألقت النيابة العامة الاتحادية في برلين القبض على امرأة موالية لروسيا بتهمة التجسس. وتتلخص التهمة في أن المرأة الألمانية الأوكرانية يُزعم أنها حصلت على معلومات لصالح ضابط مخابرات روسي في السفارة الروسية، وساعدته في التواصل مع جهات مختلفة.
أعلن مكتب المدعي العام الاتحادي آنذاك أن المرأة جمعت معلومات أساسية عن المشاركين في “فعاليات سياسية بارزة”، واستفسرت عن مواقع مصانع الأسلحة، واختبارات الطائرات المسيّرة، وعمليات تسليم الطائرات المسيّرة المخطط لها إلى أوكرانيا. الأمر الأكثر حساسية: يُزعم أيضًا أنها تواصلت مع أعضاء سابقين في القوات المسلحة الألمانية كانت تعرفهم شخصيًا.
جمع معلومات تتعلق بالحرب في أوكرانيا
منذ عام 2026، ألقت النيابة العامة الاتحادية القبض على أربعة أشخاص آخرين يُشتبه في كونهم عملاء روس. ويُزعم أن المتهمين جمعوا معلومات تتعلق بالحرب في أوكرانيا. ووفقًا للسلطات، تُتهم امرأة رومانية ورجل أوكراني بالتجسس على شخص كان يزود أوكرانيا بطائرات مسيرة ومكونات من ألمانيا، يُزعم أنه كان يعمل لصالح جهاز استخبارات روسي.
بعد ذلك بوقت قصير، أُلقي القبض على رجل أوكراني بتهمة التجسس لصالح روسيا على جندي أوكراني سابق مقيم في ألمانيا. وفي نهاية أبريل من العام 2026، أُلقي القبض على رجل كازاخستاني، وبحسب مكتب المدعي العام الاتحادي، فقد سرب معلومات، على سبيل المثال، حول الدعم العسكري الألماني لأوكرانيا أو صناعة الأسلحة والدفاع الألمانية.
في عام 2025، باشر مكتب المدعي العام الاتحادي أربعة تحقيقات تتعلق بالتجسس والتخريب، وفقًا لما أعلنته الحكومة الاتحادية في مارس من العام 2026 ردًا على استفسار برلماني من حزب الخضر. وفي عام 2024، بلغ عدد التحقيقات 16 تحقيقًا ضد 24 مشتبهًا به.
بحلول الأول من مارس من العام 2026، كان مكتب المدعي العام الاتحادي يُجري 20 تحقيقًا في هذا المجال ضد 23 مشتبهًا به، بحسب ما ورد. إلا أن الحكومة أشارت إلى أن التحقيقات السرية غير مُدرجة في هذه الإحصائيات.
التجسس كتمهيد للتخريب
يحذر المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) من أن حرب أوكرانيا “كانت بمثابة حافز لأنشطة أجهزة الاستخبارات الروسية”. ولا يقتصر تركيز الكرملين على السياسة والإدارة فحسب، بل يشمل أيضًا، على وجه الخصوص، المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية.
وذكر المكتب الاتحادي لحماية الدستور: “منذ عام 2024، يحقق جهاز مكافحة التجسس في عدد من الحوادث الغامضة التي قد تكون مرتبطة بأعمال تخريبية نُفذت لصالح روسيا”. بما أن أي عملية تخريب ناجحة تتطلب تخطيطًا طويل الأمد، فإنها تُحضّر عادةً من خلال التجسس التقليدي.
يوضح المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) أن “المهاجمين يجمعون المعلومات من خلال المراقبة الخارجية، أو المخبرين داخل المنظمة المستهدفة، أو عبر هجوم إلكتروني”. أما الجديد فهو استخدام ما يُسمى بالوكلاء، الذين يعملون نيابةً عن وكالة استخباراتية دون أن يكونوا تابعين لها، ويتم تجنيدهم والتحكم بهم، على سبيل المثال، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات المراسلة.


