الأكثر قراءة

ألمانيا ـ تنامي صناعة الدفاع يعزز القدرات الأوروبية

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تخوض ألمانيا اليوم أحد أكثر التحولات التاريخية عمقًا في عقيدتها الأمنية والسياسية منذ نهاية الحرب الباردة. لم يعد هذا التغيير مجرد استجابة وقتية لضغوط جيوسياسية طارئة، بل بات يعكس تحولًا بنيويًا شاملًا تهدف برلين من خلاله إلى إعادة تعريف مكانتها الدولية والإقليمية. إن النمو المتسارع الذي يشهده قطاع الصناعات الدفاعية، والذي تجسد في قفزة استثنائية لأعداد الشركات المنضمة إلى اتحاد الصناعات الأمنية والدفاعية الألمانية (BDSV) لتصل إلى أكثر من 600 شركة بحلول منتصف عام 2026 مقارنة بـ 111 شركة فقط في عام 2021، يبعث برسالة واضحة: ألمانيا تتجه بسرعة وبلا تردد نحو استعادة استقلاليتها الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين.

هذا الزخم الصناعي، الذي تقوده ولايات رئيسة مثل بافاريا وشمال الراين وستفاليا، يتجاوز النظرة التقليدية للمؤسسة العسكرية. إنه يعبر عن بيئة اقتصادية جديدة تشارك فيها الشركات الكبرى جنبًا إلى جنب مع الشركات الناشئة وتلك التي تطور تقنيات الاستخدام المزدوج، مما يمنح القطاع الدفاعي قدرة أعلى على الابتكار والتكيف. ورغم أن الحكومة الألمانية تسعى لتسريع الخطى من خلال استهداف إنفاق دفاعي يبلغ 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029 وضخ مئات المليارات في استثمارات طويلة الأمد، إلا أن الأبعاد الحقيقية لهذه الخطوة تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد شراء الأسلحة والعتاد.

إن المبرر المحوري لهذه التعبئة الماليّة والاستثمارية يرتكز على دور ألمانيا التاريخي والجغرافي كمركز لوجستي محوري في قلب أوروبا. فمن منظور حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لا يقتصر تعزيز القدرات الدفاعية على تجهيز القوات المقاتلة، بل يتطلب تحديث البنية التحتية الوطنية المتهالكة من شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمحطات. إن كفاءة هذه الشبكات تعد ضرورة عسكرية حاسمة لضمان حرية حركة القوات على الجناح الشرقي للحلف في حالات الطوارئ. ومن ثم، فإن الاستثمار في البنية التحتية يخدم غايتين متكاملتين: دعم الاستقرار الاقتصادي الداخلي، وتلبية الالتزامات الدفاعية الدولية.

ومع ذلك، يثير هذا التوجه التزامات مالية واقتصادية هائلة قد تؤثر على مستقبل التوازن المالي في البلاد. إذ إن الاستثناءات التي حظي بها الإنفاق الدفاعي من قيود “كبح الديون”، إلى جانب الاعتماد على قروض ضخمة لتغطية الموازنات الاتحادية، تضع السياسيين أمام اختبار حقيقي يتعلق بكيفية التوفيق بين متطلبات الردع العسكري العاجلة والحفاظ على الاستقرار المالي طويل الأجل لأكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.

في النهاية، يبرهن التحول الدفاعي الألماني على أن برلين لم تعد تنظر إلى الأمن بوصفه خدمة يمكن استيرادها أو التخلي عنها لصالح الموازنات المتوازنة، بل باعتباره الاستثمار الأساسي لحماية السيادة الوطنية والاستقرار القاري. إن بناء قوة عسكرية حديثة ومستدامة لم يعد مجرد استجابة لضغوط حلفاء الناتو، بل أصلًا من أصول الأمن القومي الذي سيعيد رسم موازين القوى في أوروبا لسنوات قادمة.

https://hura7.com/?p=82564

الأكثر قراءة