جريدة الحرة بيروت
DWـ في ظل تنافس شركات كبرى على تولي التصنيع وتسريع تسليم ست فرقاطات لتعزيز قدرات ألمانيا في مكافحة الغواصات، توقعت شركة راينميتال الألمانية استئنافها صناعة فرقاطات إف 126 في صفقة هي الأكبر في تاريخ البحرية بـ10 مليارات يورو.
توقعت شركة التسليح الألمانية “راينميتال” إعادة انطلاقة سريعة لتصنيع الفرقاطات المتأخر من طراز “إف 126” لصالح البحرية الألمانية. وقال تيم فاغنر، رئيس قسم الأنظمة البحرية الذي تم إنشاؤه حديثا في راينميتال، في تصريحات لصحيفة “فيلت آم زونتاغ” الألمانية المقرر صدورها غدا الأحد (22 مارس/آذار 2026): “نفترض أننا سنحصل على عقد الفرقاطة إف 126 كمقاول عام في الصيف… نريد تسريع فترات التنفيذ وتسليم أولى الفرقاطات الست المخطط لها في النصف الثاني من عام 2031″، مضيفا أن هناك محادثات تُجرى حول هذا الأمر مع المكتب الألماني للمعدات وتقنية المعلومات واستخدام الجيش.
أكبر برنامج صناعة جديد للبحرية الألمانية حتى الآن
ويُعد بناء ست فرقاطات من طراز إف 126 بتكلفة تقارب 10 مليارات يورو أكبر برنامج صناعة جديد للبحرية الألمانية حتى الآن. وتتميز هذه السفن بتخصصها في مكافحة الغواصات. ويُعد تولي راينميتال دور المقاول العام أحد خيارين تدرسهما وزارة الدفاع حاليا. وبدلا من ذلك، تستعد شركة “تيسنكروب مارين سيستمز” للأنظمة البحرية في كيل لبناء فرقاطات أصغر من طراز “ميكو إيه-200 ديو”.
وكانت راينميتال قد استحوذت مطلع أبريل/نيسان 2026 على قسم أحواض بناء السفن البحرية “إن في إل” التابع لمجموعة “لورسن” في بريمن مقابل 1,5 مليار يورو. ويتمركز هذا القسم في حوض تصنيع السفن “بلوم+فوس” في هامبورغ. وكان من المقرر في الأصل أن تكون الشركة الهولندية “دامن نافال” في فليسينغن هي المقاول العام لبناء فرقاطات “إف 126″، غير أن “دامن نافال” – بالتعاون مع أحواض بناء سفن ألمانية كمقاولين فرعيين – لم تتمكن من إنتاج السفن في الوقت المحدد، حيث يتأخر البرنامج حاليا بنحو أربعة أعوام عن الجدول الزمني.
إعادة صياغة السيادة الصناعية الألمانية
يُمثل سعي “راينميتال” لتولي دور المقاول العام في مشروع “إف 126” تحولاً جذرياً في فلسفة التصنيع العسكري الألماني، حيث تعكس هذه الخطوة رغبة برلين في استعادة “السيادة الصناعية” عبر تقليص الاعتماد على المقاولين الخارجيين -مثل “دامن نافال” الهولندية- الذين واجهوا تحديات في الالتزام بالجداول الزمنية. ومن خلال الاستحواذ على أصول “لورسن” الاستراتيجية، لا تسعى “راينميتال” فقط لإنقاذ الجدول الزمني للمشروع، بل لترسيخ مكانتها كعملاق دفاعي شامل يربط بين القوة البرية والتكنولوجيا البحرية. هذا التوجه يعزز من مفهوم “التحول الجذري” (Zeitenwende) الذي أعلنت عنه ألمانيا، محولاً الإنفاق العسكري الضخم إلى محرك لنمو الشركات الوطنية وتطوير سلاسل توريد محلية أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة السريعة للأزمات.
الأبعاد الجيوسياسية وتعزيز “ردع الأعماق”
علاوة على الجانب الاقتصادي، يكتسب تسريع تسليم فرقاطات “إف 126” أهمية جيوسياسية قصوى في ظل تصاعد التوترات في بحر البلطيق وشمال الأطلسي. فالتخصص النوعي لهذه السفن في “مكافحة الغواصات” (ASW) يعد رداً مباشراً على تنامي النشاط البحري الروسي تحت سطح الماء، والذي بات يهدد البنية التحتية للطاقة وكابلات الاتصالات في القاع. إن نجاح “راينميتال” في تقليص فجوة التأخير الزمني سيمنح البحرية الألمانية قدرة تفوق تكنولوجي حاسمة، حيث تُصنف هذه الفرقاطات كـ “منصات قتالية متعددة المهام” قادرة على العمل في بيئات معقدة لفترات طويلة. وبذلك، يتحول مشروع الـ 10 مليارات يورو من مجرد صفقة تسليح إلى ركيزة أساسية في استراتيجية الردع الأوروبية المشتركة، مؤكداً طموح ألمانيا في قيادة الأمن البحري للقارة.
التكامل الرقمي والذكاء الاصطناعي في “منصة المستقبل”
لا تقتصر أهمية تولي “راينميتال” لهذا المشروع على الجانب الإنشائي فحسب، بل تمتد إلى دمج أنظمتها الرقمية المتقدمة وتكنولوجيا الاستشعار في هيكل الفرقاطة “إف 126”. ومن المتوقع أن تعمل الشركة على تعزيز “أنظمة إدارة المعارك” (CMS) لربط هذه الفرقاطات بشبكات الدفاع الجوي والبري، مما يجعلها بمثابة “مراكز بيانات عائمة”. هذا التكامل التكنولوجي يهدف إلى معالجة كميات هائلة من البيانات الصوتية والحرارية لمكافحة الغواصات الشبحية الحديثة بفعالية أكبر. إن نجاح هذا النموذج من التكامل بين الأنظمة الدفاعية سيمثل قفزة نوعية تجعل من الصناعة العسكرية الألمانية معياراً عالمياً في بناء السفن “الذكية”، مما يعزز من فرص تصدير تكنولوجيا مشابهة لحلفاء الناتو في المستقبل.
المنافسة المحتدمة وضغوط “خيار البديل الأصغر”
يمثل صراع “راينميتال” مع شركة “تيسنكروب مارين سيستمز” (TKMS) منعطفاً حاسماً في خارطة الصناعات البحرية الألمانية؛ فبينما تراهن “راينميتال” على الفرقاطة “إف 126” الضخمة والمتطورة، تقدم “تيسنكروب” بديل “ميكو إيه-200” كخيار أكثر مرونة وأقل تكلفة. هذا التنافس يضع وزارة الدفاع الألمانية أمام معادلة صعبة: هل تستثمر في “العملاق النوعي” المتأخر زمنياً لضمان التفوق المطلق في أعماق البحار، أم تلجأ لخيار “الكمية والسرعة” عبر فرقاطات “ميكو” الأصغر لمواجهة التهديدات العاجلة؟ إن قرار الصيف المقبل لن يحدد فقط هوية المقاول العام، بل سيرسم ملامح العقيدة القتالية للبحرية الألمانية للعقود الثلاثة القادمة، سواء كقوة قادرة على الانتشار العالمي الطويل أو كقوة استجابة سريعة في البحار القريبة.


