جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد
تتجه ألمانيا إلى إعادة تعريف دور جهاز الاستخبارات الخارجية “BND”، في خطوة تعكس تحولًا متسارعًا في البيئة الأمنية الأوروبية، ولا سيما مع تصاعد المخاطر المرتبطة بالتجسس والهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والتأثير السياسي. وتأتي هذه الخطوة في ظل توجه حكومة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى تعزيز قدرة الدولة على التعامل مع تهديدات تعتبرها متزايدة، وفي مقدمتها الأنشطة المنسوبة إلى روسيا.
وأقرت حكومة ميرتس مشروع إصلاح جهاز الاستخبارات الخارجية، بما يمثل تقدمًا مهمًا في خطط طال انتظارها لمنح أجهزة الاستخبارات الألمانية صلاحيات أوسع. ووفقًا للمقترح، يمكن لعناصر “BND” تنفيذ عمليات تخريب، وشن عمليات سيبرانية هجومية، وتوسيع نطاق أنشطة التجسس. ويمثل ذلك تحولًا عن النهج الذي اتبعته ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما فُرضت قيود قانونية واسعة على أجهزة الاستخبارات بهدف منع تكرار الانتهاكات التي ارتبطت بالأجهزة الأمنية في الحقبة النازية.
ويستند مؤيدو الإصلاح إلى تغير طبيعة التهديدات الأمنية. فقد أصبحت ألمانيا تواجه، بحسب مسؤولين، مزيجًا من التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية والعمليات السرية التي تستهدف زعزعة الاستقرار. كما تزايدت المخاوف من اعتماد برلين الكبير على شركائها، ولا سيما الولايات المتحدة، في مجالات جمع المعلومات الاستخباراتية المتقدمة. وترى الحكومة أن تعزيز القدرات الوطنية قد يمنح ألمانيا هامشًا أكبر من الاستقلال في حماية أمنها ومصالحها.
ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في ظل تصاعد الحديث الأوروبي عن “التهديدات الهجينة”، التي تجمع بين الوسائل التقليدية والسيبرانية والاستخباراتية. وقد ساهم حادث العثور على طائرة مسيرة محملة بمتفجرات بالقرب من طائرة أوكرانية في مطار لايبزيغ هاله في زيادة المخاوف الأمنية، رغم عدم إعلان السلطات الألمانية حتى الآن مسؤولية جهة محددة عن الحادث. وأكد وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت أن التحقيق لا يزال مستمرًا، لكنه أشار إلى أن طبيعة التهديد الهجين باتت واضحة.
ومع إقرار الإصلاح، سيتمكن جهاز “BND” من اتخاذ إجراءات أكثر نشاطًا ضد مصادر التهديد، قد تشمل كشف هوية المتورطين أو استهداف ممتلكاتهم أو تعطيل متفجرات قبل استخدامها، إضافة إلى إمكانية تزويد الخصوم بمعلومات مضللة بعد وقوع هجوم، وفقًا لما يتضمنه مشروع القانون. ومع ذلك، تضع المقترحات قيودًا على هذه الإجراءات، من بينها ارتباطها المباشر بالحادث وعدم تعريض حياة الأشخاص أو سلامتهم الجسدية للخطر.
في المقابل، يثير توسيع صلاحيات الاستخبارات تساؤلات تتعلق بالتوازن بين الأمن والرقابة القانونية وحماية الخصوصية. فالإصلاح المقترح يتضمن تخفيف بعض قيود حماية البيانات، بما يسمح باستخدام أكبر للذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف على الوجه والاحتفاظ بالبيانات لفترات أطول. كما يتضمن زيادة الموارد المالية للجهاز، إذ رفعت الحكومة ميزانيته هذا العام بنحو 26% إلى 1.51 مليار يورو.
لا يتعلق الإصلاح بمجرد تحديث تقني لأجهزة الاستخبارات، بل يعكس نقاشًا أوسع حول موقع ألمانيا في المنظومة الأمنية الأوروبية. فبينما يرى مؤيدوه أنه استجابة ضرورية لبيئة أمنية أكثر تعقيدًا وتقليل للاعتماد على الحلفاء، يرى منتقدوه أن توسيع الصلاحيات يجب أن يرافقه نظام رقابة صارم يضمن عدم تحول مكافحة التهديدات الهجينة إلى تراجع في الضمانات القانونية والديمقراطية.


