جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن الدبلوماسية الأوروبية لن تكون فعالة إلا إذا كانت مدعومة بقدرات عسكرية، بما في ذلك تطوير سلاح نووي أوروبي مشترك. وقال ميرتس في مقابلة مع مجلة “شبيغل”: “هناك مقولة رائعة للملك فريدريش الثاني، لاحظ فيها ذات مرة أن الدبلوماسية بدون أسلحة تشبه الموسيقى بدون آلات، ومن هذا أستخلص دائما العبارة التالية: نريد أن نكون قادرين على حماية أنفسنا حتى لا نضطر إلى القيام بذلك، ولن تكون القوة الدبلوماسية لأوروبا فعالة حقا إلا إذا دعمناها بقدرات عسكرية”.
وأضاف ميرتس أنه لهذا السبب يتوجه إلى الفرنسيين لمناقشة كيفية “حماية أوروبا”، وعند سؤاله حول ما إذا كان الأمر يتعلق بمظلة نووية أوروبية، أجاب: “هذا من بين ما نتحدث عنه، وكل ما هو ضروري لأمن أوروبا”. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس قد أعلنا في بداية مارس الماضي أن فرنسا وألمانيا أنشأتا مجموعة عمل مشتركة معنية بالشؤون النووية. كما أعلن ماكرون في وقت سابق أن فرنسا دخلت مرحلة “الردع النووي المتقدم”، موضحا أنه في إطار النهج الجديد، ستزيد باريس عدد الرؤوس النووية وستتمكن الدول الأوروبية من المشاركة في تدريبات الردع المشتركة. ووفقا لماكرون، وافقت 8 دول على الانضمام إلى حوار التعاون بشأن قضايا الردع النووي.
تحول العقيدة الأمنية الألمانية: من “القوة الناعمة” إلى “الردع النووي المشترك”
يمثل تصريح فريدريش ميرتس تحولاً جذرياً في العقيدة السياسية الألمانية التي قامت لعقود على مبدأ “التفوق الدبلوماسي” والاعتماد الكلي على المظلة النووية الأمريكية (الناتو). إن استدعاء مقولة فريدريش الثاني يكسر “تابو” الحديث عن القوة الخشنة في برلين، ويعكس قناعة جديدة بأن القوة العسكرية لم تعد مجرد خيار ثانوي، بل هي المحرك الأساسي لمصداقية الدبلوماسية الأوروبية في عالم متعدد الأقطاب، حيث لم تعد الضمانات الأمنية الخارجية ثابتة كما كانت في السابق.
كما يعكس التنسيق المكثف بين ميرتس وماكرون رغبة حقيقية في تحويل “المحرك الألماني الفرنسي” من الاقتصاد إلى الدفاع الاستراتيجي؛ فمن خلال إنشاء مجموعة عمل مشتركة للشؤون النووية، تسعى ألمانيا للاستفادة من “الردع المتقدم” الفرنسي لملء الفراغ الأمني المحتمل. هذا التوجه يشير إلى أن أوروبا بدأت عملياً في بناء ركيزة أمنية ذاتية تعتمد على السلاح النووي الفرنسي كقاعدة لمظلة أوروبية شاملة، مما يقلل من الارتباط العضوي بالسياسات الدفاعية لواشنطن التي قد تتغير بتغير الإدارات في البيت الأبيض.
وفي الختام، فإن انضمام ثماني دول للحوار حول الردع النووي يبرز حالة القلق الجماعي في القارة العجوز وسعيها لامتلاك “أوراق ضغط” حقيقية. إن ميرتس، بربطه الدبلوماسية بالسلاح النووي، يبعث برسالة واضحة للقوى الكبرى مفادها أن أوروبا لن تكتفي بدور “الوسيط التجاري”، بل تسعى لامتلاك أدوات الردع التي تمنحها مقعداً دائماً في صياغة النظام العالمي الجديد، وفرض احترام سيادتها عبر توازن الرعب النووي.
يمثل هذا المسار الجديد الذي يقوده ميرتس إعلاناً عن ولادة “أوروبا الجيوسياسية” التي تخلت عن أحلام السلام الدائم لصالح واقعية القوة، حيث لا يقتصر التوجه الحالي على كونه استجابة لتهديدات أمنية آنية فحسب. ومع ذلك، يواجه نجاح هذا الطموح النووي المشترك تحديات معقدة، تبدأ من كيفية التوفيق بين السيادات الوطنية للدول الأعضاء وبين “الزر النووي” المشترك، وصولاً إلى ردود فعل القوى العظمى تجاه هذا التكتل العسكري الصاعد. وفي نهاية المطاف، يبقى رهان ميرتس قائماً على فكرة مؤداها أن العالم لا يحترم إلا الأطراف التي تملك القدرة على حماية نفسها، وأن زمن “الحماية المجانية” قد ولى، مما يضع القارة الأوروبية أمام خيار تاريخي: التحول إلى قطب عسكري مستقل أو البقاء في ظل التجاذبات الدولية الكبرى.


