
جريدة الحرة بيروت
بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش
تشهد الخارطة الأمنية في أوروبا تحولات هيكلية غير مسبوقة، تُعيد رسم ملامح التحالفات العسكرية المستقرة منذ عقود طويلة. وفي هذا السياق، يقف القرار السياسي في برلين اليوم أمام لحظة فارقة تتطلب إعادة تعريف مفهوم الردع الاستراتيجي، بعيداً عن الركائز التقليدية التي اعتمدت عليها الدولة الألمانية منذ نهايات الحرب العالمية الثانية. تتزايد المخاوف داخل العواصم الأوروبية من احتمالات تراجع الالتزامات الأمريكية حيال حماية حلفائها، ما دفع القيادة الألمانية بالتالي إلى استكشاف خيارات جديدة تضمن أمن القارة واستقرارها في مواجهة التهديدات الإقليمية المتصاعدة.
من هذا المنطلق، تفرض القيود التاريخية والمعاهدات الدولية أطرًا صارمة تمنع برلين من السعي لامتلاك ترسانة نووية خاصة بها. غير أن المخططين العسكريين والساسة الألمان يدركون تماماً ضرورة وجود سقف حماية يقي البلاد من تقلبات السياسة الخارجية لواشنطن. بناءً على ذلك، يتجه التفكير الاستراتيجي الألماني نحو ضخ استثمارات مالية وتقديم دعم لوجستي للقدرات النووية البريطانية والفرنسية، بهدف تعزيز المظلة النووية الأوروبية وجعلها أكثر قدرة على المواجهة والاستقلالية.
تُظهر المحادثات الثلاثية الجارية بين برلين ولندن وباريس رغبة ألمانية جادة في الاندماج ضمن منظومة الردع القائمة؛ إذ تشمل التصورات المطروحة مشاركة برلين في تمويل برامج تحديث الترسانة البريطانية، والتي تتطلب استثمارات ضخمة لتطوير الجيل الجديد من الغواصات الصاروخية وتقنيات تخصيب اليورانيوم للرؤوس الحربية المستقبلية. يُمثل هذا التحول اعترافاً ألمانياً صريحاً بأن الحفاظ على أمن القارة يتطلب مشاركة أعباء التمويل وتوفير غطاء حماية دائم للترسانات النووية الحليفة.
فضلاً عن ذلك، لا تقتصر المشاركة الألمانية على الجوانب المالية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الشق الميداني والعسكري التقليدي. يسعى الجانب الألماني في هذا الصدد إلى تعزيز حماية القواعد الاستراتيجية، مثل قاعدة “كلايد” في فاسلين الاسكتلندية التي تحتضن أسطول “ترايدنت” البريطاني، عبر نشر بطاريات دفاع جوي من طراز “باتريوت”. تُسهم هذه الخطوة العملياتية في سد الثغرات الأمنية وتأمين المنشآت الحيوية للردع الأوروبي، وتلقى ترحيباً عملياً في أوساط الدفاع البريطانية رغم التحفظات المتعلقة بنقص الخبرة التقنية الألمانية في صيانة الغواصات النووية.
بالتوازي مع ذلك، يتطور حوار ألماني فرنسي معمق لتعزيز الشراكة الدفاعية، يتضمن مشاركة القوات الألمانية في مناورات نووية فرنسية مشتركة لأول مرة. يعكس هذا التعاون تجاوباً واضحاً مع أفكار باريس الداعية إلى فتح حوار استراتيجي بين القوى النووية وغير النووية في أوروبا. لكن رغم الاهتمام بهذا المسار، تبقى الشراكة مع فرنسا محاطة بظلال من عدم اليقين، بالنظر إلى التغيرات السياسية المرتقبة والانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، وما قد تحمله من صعود لتيارات سياسية تعارض التوجهات العسكرية الحالية.
من جهة أخرى، تثير هذه التحركات ردود أفعال متباينة على الساحة الدولية؛ إذ تنظر موسكو بقلق بالغ إلى المناورات والترتيبات النووية المشتركة، وتعتبرها تصعيداً يمس التوازن الاستراتيجي في القارة. في المقابل، يرى الألمان أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا والصيانة الأمريكية يمثل نقطة ضعف يجب معالجتها، سيما أن الرؤوس الحربية البريطانية يتم تطويرها بالتوازي مع البرامج الأمريكية، مما يجعل الاستقلالية الأوروبية مطلباً أمنياً ملحاً لا يحتمل التأجيل.
ومع ذلك، تستلزم المبادرة الألمانية توافقاً داخلياً وتغلباً على العقبات الفنية والسياسية التي تواجه قطاع الدفاع. تتطلب عملية تحديث الترسانة البريطانية الكبيرة مبالغ طائلة وتنسيقاً دقيقاً حول كفاءة الصناعات الألمانية ودورها المباشر في عملية التطوير. بناءً عليه، يبقى الخيار الأكثر واقعية في الوقت الراهن هو التركيز على التمويل المباشر والدفاع التقليدي عن القواعد، إلى حين تبلور رؤية أوروبية موحدة ترسم معالم العقيدة الأمنية الجديدة.
تقييم وقراءة مستقبلية
تفتح هذه التحركات الألمانية الباب أمام تحولات جيوسياسية عميقة تُعذر من خلالها إعادة تشكيل ملامح النظام الأمني القاري، حيث ترتسم في الأفق عدة مسارات حاسمة:
• يتجه المشهد نحو تبلور آلية تمويل دفاعية مستحدثة، تُتيح للدول غير النووية مثل ألمانيا وإيطاليا وهولندا المساهمة المباشرة في ميزانيات صيانة وتطوير الترسانات البريطانية والفرنسية، مقابل الحصول على ضمانات أمنية مكتوبة ومشاركة أكبر في غرف العمليات والتخطيط الاستراتيجي.
• يتنامى الانزياح العملياتي نحو الاعتماد المكثف على القوات التقليدية للدول غير النووية لتأمين الأصول الحساسة، حيث تحمل المعطيات الحالية إرهاصات لانتشارات واسعة لمنظومات الدفاع الجوي الألمانية والقدرات البحرية لشمال أوروبا حول القواعد الحيوية في المملكة المتحدة وفرنسا، كتعويض عملي عن القيود القانونية التزاماً بالمعاهدات الدولية.
• تلوح في الأفق إمكانية اصطدام الخطط الألمانية الفرنسية بواقع التوازنات السياسية الداخلية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الفرنسية؛ إذ يحمل احتمال وصول شخصيات رافضة لمفهوم المظلة المشتركة مثل مارين لوبان أو جان لوك ميلانشون في طياته كبحاً للشق الفرنسي، ما يدفع برلين تلقائياً لتركيز ثقلها المالي والعسكري تجاه العاصمة البريطانية.
• تندرِج على الخارطة الإقليمية مؤشرات تصاعد نبرة الاحتكاك على الجبهة الشرقية، حيث تتعاطى موسكو مع الترتيبات النووية المشتركة باعتبارها اختراقاً للتوازنات القائمة، مما يحفز تلقائياً الخطوات الروسية المقابلة نحو تعزيز الموضع العسكري في كالينينغراد وبيلاروسيا ككفة موازنة لاندماج برلين في منظومة الردع.
• ينطوي هذا المسار برمته على بداية تفكك تدريجي في ارتهان القرار الأوروبي لواشنطن، حيث يُمهد هذا التحول لإعادة صياغة دور حلف شمال الأطلسي ليتشكل عبر ركيزتين متوازيتين: أطلسية عابرة للمحيط، وأوروبية مستقلة تتكئ على المحور الثلاثي بين برلين وباريس ولندن.
ختاماً، يختزل التوجه الألماني نحو الاستثمار في المظلة النووية البريطانية-الفرنسية منعطفاً حاسماً في فلسفة الدفاع الأوروبية. تجد برلين نفسها سالكة خيار تجاوز المحظورات التاريخية والقيود التقنية عبر بوابة التمويل وحماية المنشآت الحيوية، في محاولة لإرساء قواعد ردع قاري يمتلك مقومات التكيف مع التقلبات الجيوسياسية الضخمة والمواقف الأمريكية المتغيرة. تتوقف ديمومة هذا المسار على قدرة العواصم الثلاث على استيعاب التجاذبات الداخلية وتثبيت أركان شراكة استراتيجية طويلة الأمد تظلل مستقبل القارة.


