جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد
أصبح مستقبل سياسة “جدار الحماية” التي تتبعها الأحزاب الألمانية الرئيسية تجاه حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) موضع نقاش متزايد، مع صعود الحزب في الانتخابات واستطلاعات الرأي. فمنذ تأسيسه عام 2013، اتجهت الأحزاب التقليدية، وفي مقدمتها الاتحاد الديمقراطي المسيحي، إلى استبعاد الحزب من أي تعاون حكومي، بهدف منع اليمين المتطرف من الوصول إلى مراكز صنع القرار. غير أن استمرار صعود الحزب يثير تساؤلًا أساسيًا حول مدى قدرة سياسة العزل السياسي على تحقيق أهدافها على المدى الطويل.
استندت هذه السياسة إلى تجربة تاريخية في ألمانيا ما بعد الحرب، حيث نجحت الأحزاب التقليدية، وخصوصًا الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، في احتواء المنافسة من القوى الواقعة إلى يمينها. وكان المبدأ واضحًا: الحفاظ على مساحة سياسية واسعة ليمين الوسط، ومنع ظهور حزب يميني قادر على منافسة المؤسسة السياسية من خارجها. إلا أن الظروف التي نشأ فيها حزب البديل من أجل ألمانيا تختلف عن التجارب السابقة، سواء بسبب التحولات الاجتماعية أو قضية الهجرة أو تزايد الاستقطاب السياسي.
يذهب منتقدو سياسة العزل إلى أن استبعاد الحزب من المشاركة السياسية لم يؤد إلى تراجع شعبيته، بل ساهم، وفقًا لهذا الرأي، في اتساع الفجوة بين جزء من الناخبين والمؤسسات التقليدية. وقد حصل الحزب في الانتخابات الاتحادية لعام 2025 على 21% من الأصوات، ليحل ثانيًا، بينما أصبح يتصدر بعض استطلاعات الرأي اللاحقة. ويشير ذلك إلى أن العزل السياسي قد ينجح في منع الوصول إلى السلطة، لكنه لا يضمن بالضرورة الحد من الجاذبية الانتخابية للحزب.
تزداد أهمية هذه المسألة في ظل الانتخابات الإقليمية، ولا سيما في ساكسونيا-أنهالت، حيث قد يقترب حزب البديل من أجل ألمانيا من تشكيل حكومة ولاية. وفي حال عجزه عن تحقيق الأغلبية، قد تجد الأحزاب المحافظة نفسها أمام خيارات صعبة: إما الاستمرار في استبعاد الحزب، أو البحث عن ترتيبات سياسية مع قوى تقع على يسارها، وهو ما قد يزيد بدوره من تعقيد المشهد السياسي ويمنح حزب البديل حجة إضافية بأن نتائج الانتخابات لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير الحكومات.
في المقابل، يحذر معارضو أي تعاون مع الحزب من أن تجاوز “جدار الحماية” قد يؤدي إلى تطبيع اليمين المتطرف وإضعاف الحدود السياسية التي أرستها ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. ويرتبط هذا الموقف أيضًا بمخاوف تتجاوز السياسة الداخلية، لتشمل التوجه الأوروبي والأطلسي لألمانيا، والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، فضلًا عن استقرار النظام الديمقراطي نفسه.
وتكشف التجربة الألمانية كذلك عن مفارقة سياسية. فاستبعاد حزب البديل من أجل ألمانيا قد يحافظ على وحدة الأحزاب التقليدية، لكنه قد يدفع جزءًا من الناخبين إلى النظر إليه بوصفه قوة سياسية مستبعدة من النظام. وفي المقابل، فإن التعاون معه قد يؤدي إلى انقسامات داخل الأحزاب المحافظة وإلى احتجاجات اجتماعية وسياسية واسعة.
لذلك، لا تبدو المسألة مجرد خلاف حول التحالفات، بل نقاشًا أوسع حول كيفية حماية النظام الديمقراطي مع الحفاظ على التنافس السياسي. فالتحدي أمام الأحزاب الألمانية يتمثل في إيجاد توازن بين رفض المواقف التي تتعارض مع المبادئ الدستورية، وعدم تحويل العزل السياسي إلى بديل عن المنافسة السياسية والبرامجية.
قد تكون ساكسونيا-أنهالت اختبارًا مهمًا لهذا التوازن. فإذا تمكن حزب البديل من أجل ألمانيا من الوصول إلى الحكم، فسيواجه للمرة الأولى على نطاق أكبر مسؤوليات الإدارة والميزانية والخدمات العامة واتخاذ القرارات، وهي مجالات تختلف جذريًا عن دور المعارضة. ومن هنا، قد تكشف تجربة الحكم أكثر مما تكشفه الحملات الانتخابية عن قدرة الحزب على الانتقال من الاحتجاج السياسي إلى ممارسة السلطة وتحمل تبعاتها.


