جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ تشهد العلاقات الدفاعية بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا تحولات جذرية، حيث أورد موقع “ديفنس نيوز” الأمريكي أن الجيش قرر إلغاء خطط كانت مقررة لنشر آلاف العسكريين في بولندا. وبناءً على ما صرح به مسؤول في الجيش الأمريكي، شمل هذا القرار إلغاء نشر فريق القتال باللواء الثاني المدرع التابع لفرقة الفرسان الأولى، والذي يضم أكثر من 4000 عسكري مع كامل معداتهم القتالية، وهو ما يمثل تراجعاً عن خطوة كانت تهدف لتعزيز القدرات العسكرية هناك.
على الجانب الآخر، تواصل وارسو مساعيها الدبلوماسية والعسكرية لزيادة الحضور الأمريكي، حيث أعلنت هيئة الأركان العامة البولندية أن رئيسها فيسواف كوكولا عقد مباحثات مع القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا وقائد القيادة الأوروبية الأمريكية أليكسوس غرينكيفيتش. تركزت هذه المباحثات حول دور بولندا في البنية الأمنية الجديدة لحلف “الناتو” والمبادئ الأساسية لمشروع “الناتو 3.0″، مع استكشاف إمكانية تعزيز أمن الجناح الشرقي للحلف عبر زيادة عدد القوات الأمريكية التي يبلغ قوامها الحالي نحو 10 آلاف جندي على الأراضي البولندية.
في سياق متصل، برزت ألمانيا كمحور أساسي في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أشار إلى إمكانية نقل جزء من القوات الأمريكية المتمركزة هناك إلى بولندا. يأتي هذا التوجه نتيجة خلافات مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، خاصة بعدما أعلن ترامب في الثاني من أيار عن خطة لخفض عدد القوات في ألمانيا بما يزيد عن 5 آلاف جندي. وقد جاءت هذه الخطوة عقب انتقادات وجهها ميرتس للحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران، معتبرًا أن واشنطن تفتقر إلى استراتيجية واضحة في هذا الملف.
من جهته، أكد نائب وزير الدفاع البولندي بافل زاليفسكي أن بلاده تجري مفاوضات مباشرة ومستمرة لزيادة الوجود العسكري الأمريكي، مشيرًا إلى محادثات أجراها مع نائب وزير الخارجية توماس دينانو. وشدد زاليفسكي على أن القوى السياسية في بولندا مجمعة على الرغبة في استقبال المزيد من القوات، وأن الجانب الأمريكي يدرك تماماً هذا التوافق الوطني والجاهزية البولندية لاستضافة الجنود الذين قد يتم سحبهم من ألمانيا، مع إبداء وارسو استعدادها لتولي نفقات هؤلاء الجنود.
وفي ظل هذه التحركات، أكد الناطق الرسمي باسم البنتاغون شون بارنيل قرار وزارة الحرب الأمريكية سحب 5000 جندي من ألمانيا خلال فترة زمنية تتراوح بين 6 و12 شهرًا. وبالمقابل، تعهد الرئيس البولندي كارول نافروتسكي بالسعي لدى ترامب لإتمام عملية النقل هذه، رغم وجود تحذيرات داخلية في الولايات المتحدة، مثل ما نشرته مجلة “ريسبونسيبل ستيتكرافت”، التي نبهت من مخاطر الانصياع لضغوط “الصقور” في الكونغرس لنقل القوات إلى مواقع قريبة من الحدود الروسية، معتبرة أن هذه الخطوة قد تعمق تورط واشنطن وتزيد من احتمالات الصدام العسكري.
وتمتد أبعاد هذا المشهد لتشمل تباينًا واضحًا في الرؤى السياسية بين برلين ووارشو حيال الدور القيادي للولايات المتحدة في القارة العجوز، فبينما يتبنى المستشار الألماني فريدريش ميرتس خطابًا يطالب باستقلالية أكبر في الاستراتيجية الأوروبية وينتقد التدخلات الخارجية لواشنطن، تندفع بولندا نحو توثيق عرى التحالف الثنائي مع البيت الأبيض بعيدًا عن الأطر التقليدية للاتحاد الأوروبي. ويهدف هذا التوجه البولندي إلى تحويل البلاد لمركز ثقل عسكري جديد في أوروبا الوسطى، مستغلةً التوتر المتزايد بين ترامب وميرتس لتكريس نفسها كشريك أكثر موثوقية واستجابة للمطالب الأمريكية، وهو ما يضع هندسة الأمن الأوروبي أمام تحدي الموازنة بين الحفاظ على تماسك حلف الناتو وتجنب استفزاز القوى الإقليمية المجاورة.
ويكشف هذا التجاذب الاستراتيجي عن بوادر صياغة جديدة لموازين القوى داخل القارة الأوروبية، حيث يتجاوز الأمر مجرد تحريك وحدات عسكرية ليصل إلى إعادة تعريف مفهوم التحالفات التقليدية. إن الرغبة الأمريكية في معاقبة ألمانيا عبر تقليص الوجود العسكري تمنح بولندا فرصة ذهبية لترسيخ مكانتها كحارس جديد للجبهة الشرقية، إلا أن هذه المناورة السياسية تحمل في طياتها مخاطر جيوسياسية كبيرة؛ فإضعاف الثقل العسكري في ألمانيا قد يؤدي إلى تصدع في وحدة الموقف الأوروبي تجاه القضايا الأمنية المشتركة، كما أن اقتراب التواجد الأمريكي من التماس المباشر مع الحدود الروسية يقلص هوامش المناورة الدبلوماسية ويحول المنطقة إلى ساحة استقطاب حاد قد تخرج عن السيطرة في ظل غياب رؤية استراتيجية موحدة تجمع بين طموحات واشنطن وهواجس حلفائها الأوروبيين.


