الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

ألمانيا وروسيا.. مواجهة هجينة على وقع الشراكة الاستراتيجية مع كييف

جريدة الحرة بيروت 

وكالات ـ يتنامى التعاون الاستراتيجي والدعم المالي بين ألمانيا وأوكرانيا بخطى متسارعة، وهو ما يثير ارتياحاً واسعاً في الأوساط السياسية بكييف، حظي بتأكيد من كبار المسؤولين الأوكرانيين والسفير الأوكراني في برلين.

في المقابل، يلقي هذا التقارب بظلاله القاتمة على العلاقات بين برلين وموسكو، إذ يرصد المراقبون تصاعداً ملحوظاً في حدة التهديدات والاستفزازات الروسية الموجهة صوب ألمانيا. وتتجلى هذه الشراكة في أبعاد رمزية ذات دلالة عميقة، لعل أبرزها وقوف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى جانب المستشارة السابقة أنجيلا ميركل في ستراسبورغ لتسلم جائزة البرلمان الأوروبي، تكريماً لجهودهما المخلصة في دعم الاتحاد الأوروبي. وعلى الصعيد العملي، تشهد العلاقات الثنائية طفرة غير مسبوقة عقب إبرام اتفاقية التعاون الاستراتيجي؛ حيث صرح السفير الأوكراني، أوليكسي ماكير، لصحيفة “تاغس شبيغل” بأن بلاده باتت تتلقى تدفقات من المساعدات العسكرية الألمانية تفوق أي وقت مضى، مؤكداً أن الدعم المقدم من حكومة المستشار ميرتس شهد قفزة نوعية وكمية ملموسة.

ودفعت المتغيرات الجيوسياسية المتمثلة في إعادة تمركز القوات الأمريكية وتقليص وجودها العسكري في ألمانيا بالشركات الألمانية والأوروبية نحو تطوير منظومات تسليح متطورة، وفي مقدمتها الطائرات المسيرة، لتكون بديلاً لصواريخ “توماهوك” التي لم تدرج ضمن حزم الدعم الموجهة لأوكرانيا. وعلى الصعيد الإنساني والاقتصادي، تستضيف ألمانيا قرابة مليون لاجئ أوكراني، وضخت على مدار السنوات الست التي تلت الغزو الروسي ما يناهز 100 مليار يورو في شرايين الدعم المالي والعسكري، مما يعكس الزخم الكبير والالتزام الراسخ لبرلين. وبالتوازي مع هذا المسار، رفعت ألمانيا ميزانيتها الدفاعية بنسبة 70%، تلبيةً لمتطلبات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسعياً لبناء جيش وطني قادر على تحقيق الردع الاستراتيجي في مواجهة التهديدات الروسية المتنامية.

تصاعد التوتر الدبلوماسي والهجمات الهجينة

بيد أن هذا الازدهار في التعاون العسكري والسياسي، وخصوصاً بعد توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي مطلع هذا العام، انعكس سلباً وبشكل مباشر على القنوات الدبلوماسية بين موسكو وبرلين؛ حيث دخلت العلاقات الروسية الألمانية نفقاً مظلماً من التوتر الشديد، تجسد في سحب السفراء، وتبادل الانتقادات اللاذعة، وتقليص البعثات الدبلوماسية. ولم تقف ردود الفعل الروسية عند الأعراف الدبلوماسية، بل تعدتها إلى مضاعفة التهديدات وشن هجمات هجينة استهدفت البنية التحتية الحيوية لألمانيا.

وفي هذا السياق، حذر وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، خلال مؤتمر أمن الطاقة الأوروبي المنعقد في برلين، من مغبة التركيز الروسي على استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية التي غدت خط المواجهة الأول في هذا الصراع الجيوسياسي، مشيراً إلى الهجمات السيبرانية الروسية الممنهجة ضد شركات الإمداد. وجاءت هذه التحذيرات متزامنة مع رصد طائرات مسيرة مجهولة تحلق فوق منشآت طاقة داخل ألمانيا، ناهيك عن الأضرار اللاحقة بالكابلات البحرية، وخطوط الأنابيب، وشبكات الاتصالات. وثمة تحدٍّ آخر لا يقل خطورة ويثير قلقاً بالغاً في الداخل الألماني، يكمن في المساعي الروسية الحثيثة لدعم تيار اليمين المتطرف، وهو ما تجلى بوضوح في دعوة وفد من حزب “البديل من أجل ألمانيا” لحضور منتدى بطرسبورغ الاقتصادي، قبل أسابيع معدودة من انطلاق انتخابات حاسمة ومصيرية في ثلاث ولايات ألمانية استراتيجية.

الاستراتيجية الألمانية لمواجهة التهديدات الروسية

وإزاء هذه التحديات المعقدة، تكشف تقارير أجهزة الاستخبارات الألمانية والتدابير الحكومية المتخذة عن بلورة ثلاثة مسارات استراتيجية تعتمدها برلين للمواجهة؛ يتلخص المسار الأول في رفع وتيرة اليقظة الأمنية والمراقبة اللصيقة لعمليات التجسس الروسية والأنشطة الهجينة التي تستهدف المرافق الحيوية، مع تعزيز القدرات الدفاعية للجيش والأمن الاستباقي لترسيخ معادلة الردع.

بينما يتخذ المسار الثاني أبعاداً إقليمية تفرض صياغة استراتيجية أوروبية موحدة لأمن الطاقة، انطلاقاً من كونها ركيزة أساسية للأمن القومي المشترك. أما المسار الثالث والأخير، فيؤكد تزامناً مع تلك الجهود التزام ألمانيا بمواصلة تدفقات الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، سواء عبر الأطر الثنائية أو المظلة الأوروبية، كخيار لا بديل عنه لكبح الطموحات الروسية الرامية لتقويض الاستقرار العام في القارة الأوروبية عبر جبهات متعددة.

https://hura7.com/?p=79273

الأكثر قراءة