جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتداخل في المشهد الراهن خيوط الحقيقة بالأباطيل، حتى أضحى الفضاء العام أشبه بميدان مفتوح للصراعات التي لا تحتكم إلى منطق أو أخلاق، بل تدار بعقلية الغلبة والاستثمار في التضليل. إن الأزمة التي
يعيشها الإعلام اليوم ليست مجرد عثرة مهنية أو تراجع في الأداء، بل هي انزياح بنيوي عميق نحو تفكيك الوعي الجمعي وإحلال الانفعالات الغريزية محل القراءات العقلانية الرصينة. هذا الواقع يفرض علينا تشريحاً سياسياً وفكرياً دقيقاً للمسارات التي أدت إلى تغول صحافة الارتزاق وتحول المنصات الرقمية إلى معاول لهدم السلم الأهلي وتزييف الإرادة الوطنية.
لقد قامت فلسفة الإعلام تاريخياً على كونه الحارس الأمين للمصلحة العامة، والرقيب الذي يمنع تغول السلطة أو انحراف القوى السياسية عن مسار الدولة السيادية. إلا أن ما نشهده الآن هو انقلاب كامل على هذه المفاهيم؛ حيث تحول بعض العاملين في هذا القطاع من ناقلي خبر إلى أدوات طيعة في يد مراكز النفوذ والمال السياسي. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج لسياسة تطويع العقول عبر ضخ كميات هائلة من المعلومات المضللة التي تستهدف إفقاد المواطن قدرته على التمييز بين الحق والباطل. إن استخدام تقنيات التلاعب النفسي وتكرار الأكاذيب عبر منصات متعددة ومنظمة، يهدف بالدرجة الأولى إلى خلق حالة من الاغتراب ال
معرفي، حيث يصبح الفرد عاجزاً عن الدفاع عن مصالحه الحقيقية، ومنساقاً وراء روايات مفبركة تخدم أجندات ضيقة لا صلة لها ببناء الدولة أو تعزيز استقلالها.
إن خطورة هذا الانحدار تتبدى بوضوح في تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات صراع، حيث يتم تطويع التكنولوجيا لخلق رأي عام مصطنع. إن ما يسمى بالمنصات الموجهة ليس مجرد ظاهرة تقنية، بل هو سلاح سياسي يُستخدم لاغتيال الشخصيات الوطنية معنوياً وتلميع الفاسدين وتزوير الحقائق التاريخية والجغرافية. هذا التوجه يسعى إلى تفتيت النسيج الاجتماعي من خلال خلق تكتلات من المتلقين الذين لا يسمعون إلا صدى أصواتهم، ولا يصدقون إلا ما يوافق أهواءهم الموجهة سلفاً. وهنا تكمن المعضلة؛ إذ يتحول الاختلاف السياسي الطبيعي إلى كراهية شخصية، ويصبح الحوار والتنسيق بين مكونات المجتمع أمراً مستحيلاً وسط ضجيج التخوين والاتهام المتبادل.
وفي السياق اللبناني، تأخذ هذه الأزمة طابعاً أكثر تعقيداً نظراً لحساسية التركيبة المجتمعية. إن الإعلام الذي يتخلى عن مسؤولياته الوطنية ويتحول إلى بوق لمكون ضد آخر، إنما يساهم في تقويض ركائز الدولة وسيادتها. إن تعزيز الاستقلال والسيادة لا يمر عبر الصدام الداخلي، بل عبر إعلام وطني يلتزم بالحوار والتفاهم كسبيل وحيد لحماية الكيان. إن الصحافة التي تقتات على إثارة النعرات وتعميق الفجوات بين أبناء الوطن الواحد هي صحافة خائنة لأمانتها المهنية، وهي شريك أساسي في إضعاف هيبة القانون وتعطيل عمل المؤسسات الدستورية.
علاوة على ذلك، برزت ظاهرة المواطن الصحفي في غياب الضوابط القانونية والتربوية، لتتحول في كثير من الأحيان إلى فوضى عارمة تنتهك الخصوصيات وتضرب عرض الحائط بكل القيم الأخلاقية. إن تحول كل من يملك منصة رقمية إلى مصدر للخبر والتحليل والفتوى السياسية دون أدنى خلفية معرفية، خلق حالة من الارتباك العام الذي يضيع فيها صوت الحكمة والخبرة. إن السعي وراء الانتشار الرقمي جعل المعايير الإنسانية تتراجع أمام شهوة الظهور، مما أدى إلى ابتذال اللغة وتحويل القضايا المصيرية إلى مادة للترفيه، وهو ما يخدم في نهاية المطاف قوى الفساد التي تستفيد من تمييع الوعي العام وانشغال الناس بسفاسف الأمور عن جوهر القضايا الحقوقية والسياسية.
أمام هذا الواقع، لا بد من حلول جذرية تنطلق من رؤية شاملة للإصلاح التربوي والقانوني والمهني. إن أولى خطوات المواجهة تتمثل في بناء حصانة فكرية لدى الأجيال الناشئة عبر تطوير المناهج التعليمية لتشمل مادة التربية الإعلامية. يجب أن يتعلم الطالب كيف يفكك الخطاب الإعلامي، وكيف يميز بين الخبر الصادق والتلميع الرخيص، وكيف يدرك أن صمته أو مشاركته في نشر الأكاذيب تجعله شريكاً في هدم مستقبله ووطنه. إن المواطنة الحقة ليست مجرد انتماء، بل هي وعي بالحقوق والواجبات وقدرة على حماية الفضاء العام من الدخلاء.
وعلى المستوى القانوني، بات من الضروري تحديث التشريعات لتواكب الانفجار الرقمي. لا يمكن الركون إلى قوانين قديمة، بل يجب سن قوانين صارمة تجرم التضليل والابتزاز الإلكتروني وتضع مواصفات واضحة لممارسة العمل الإعلامي. إن حماية لقب الصحفي من الانتحال هي ضرورة وطنية، بحيث لا يُسمح لكل من هب ودب بأن يتصدر المشهد ويدعي نقل الحقيقة وهو في الواقع يمارس الارتزاق. كما يجب إلزام المنصات الإعلامية، خاصة تلك التي تغطي الشأن المحلي، بالإفصاح الكامل عن مصادر تمويلها، فكل خبر مدفوع الأجر هو خديعة للجمهور إذا لم يتم تصنيفه كمحتوى إعلاني واضح.
أما على صعيد العمل النقابي، فإن استعادة هيبة نقابة الصحفيين وتكريس استقلالها هو صمام الأمان الوحيد لإعادة الاعتبار للمهنة. يجب أن تتحول النقابة إلى حصن منيع يحمي الصحفي الشريف من بطش أص
حاب النفوذ، وفي الوقت ذاته، تمنع كل من يسيء للمهنة أو يبيع قلمه في سوق المال السياسي. إن الاستقلال المالي والإداري للنقابة هو الذي يحرر قرارها ويجعلها قادرة على فرض ميثاق أخلاقي ملزم، يتضمن إجراءات رادعة لكل من يثبت تورطه في تزوير الوعي العام أو إثارة الفتن الداخلية.
إن التكامل بين المبادرات الفردية الواعية وإصلاح مؤسسات الدولة هو السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق. إن المثقفين والإعلاميين الذين رفضوا الانصياع لإغراءات المال السياسي يمثلون اليوم الضمير الوطني الذي يجب الالتفاف حوله. إن تأسيس تكتلات إعلامية مستقلة تتسم بالنزاهة والمهنية العالية سيعمل كمرجعية موثوقة للجمهور، وسيسحب البساط تدريجياً من تحت أقدام الذين استباحوا عقول الناس بجهلهم وابتذالهم.
إن مستقبل لبنان، كدولة سيدة ومستقلة، يعتمد بشكل أساسي على مدى قدرتنا على استعادة وعينا الجماعي من مخالب التضليل. إن الإعلام الذي نحتاجه هو الإعلام الذي يجمع ولا يفرق، الذي يبني مؤسسات الدولة ولا يقوضها، الذي يقدس الحقيقة ولا يلمع الفاسدين. إنها معركة وعي بامتياز، تبدأ من رفض القبح والابتذال، وتنتهي ببناء مجتمع متماسك يحميه قانون عادل وتربية رصينة وإعلام حر ونزيه. إن استعادة كرامة الكلمة هي أولى خطوات استعادة كرامة الوطن، وهي الأمانة التي يجب أن نحملها جميعاً لنورثها للأجيال القادمة، بعيداً عن صراعات المحاور وأوهام الانتصارات التي لا تترك وراءها إلا الخراب.
إن الحلول المستقبلية تكمن في فرض سلطة العقل والمنطق على الخطاب العام، وفي تحويل الإعلام من أداة للتحريض إلى جسر للتواصل والتفاهم. يجب أن ندرك أن قوة أي مجتمع تكمن في قدرته على الحوار الداخلي الهادئ، وفي حماية مؤسساته التعليمية والإعلامية من الارتهان للخارج. إن بناء الدولة القوية يبدأ من الفرد الواعي الذي يرفض أن يكون وقوداً لنزاعات لا تخدم إلا أعداء الوطن، وينتهي بمؤسسات وطنية راسخة تضع مصلحة الإنسان وكرامته فوق كل اعتبار سياسي أو فئوي. بهذا فقط، يمكننا أن نصل إلى واقع تسوده العدالة والشفافية، وتستعيد فيه الصحافة دورها كرسالة تنويرية تساهم في نهضة المجتمع وحماية كيانه.


